728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    Monday, May 4, 2015

    عندمــــا تتـــــوه البوصلـــة وتغيــــب الرؤيـــــــة



    د. عمــــاد جــــــاد يكتــــب
    مرت دول العالم المختلفة التي قطعت شوطا على طريق الديمقراطية والحرية، والتي حققت قفزات نوعية في مجالات الحياة المختلفة، مرت بمرحلة تحول أومرحلة انتقالية عبرت فيها من السلطوية والديكتاتورية إلى الديمقراطية، ومن التخلف إلى التقدم، وكان العنصر الأهم والأبرز الذي ميز تجارب الشعوب والدول وحدد ثمن التحول ومداه الزمني هو مدى امتلاك النظام القائم لرؤية واضحة ومحددة، وتحليه بالشجاعة الكافية للعبور نحو المستقبل.
    من امتلك هذه الرؤية دفع ثمنا أقل وأحدث عملية التحول والانتقال في وقت معقول كان السير فيه باتجاه واحد، عكس حال النظم التي افتقدت الرؤية والشجاعة الكافية، حيث كان الثمن باهظا، وكان السير على طريقة خطوة للأمام وخطوتان للخلف.
    امتلاك الرؤية الشاملة بعيدة المدى هي أول خطوة على طريق التحول باتجاه الديمقراطية والتقدم، وأول مكونات هذه الرؤية هي الفصل بين السياسة والدين، فالأولى متلونة متغيرة ومراوغة وقديما قال الفلاسفة أنها ليست مجال عمل الرجل الفاضل، تستند إلى منطق الغاية تبرر الوسيلة والسياسي الماهر هو من يجيد تلقى دروس مكيافيللي التي صاغها في كتابه الأشهر " الأمير" الذي يقدم فيه نصائحه للحاكم كيف يكون مراوغا، مناورا ومخادعا أيضاً، أما الدين فهو مقدس في نفوس معتنقيه يحض على الفضائل والقيم النبيلة، اختلاطهما معا يؤدي إلى الإساءة للدين والأضرار بالسياسة أيضاً. وتكشف تجارب التحول في شتى قارات العالم مع تنوع الثقافات والأديان والمعتقدات، أنه لا تحول دون وضع الخطوط الفاصلة بين الدين والسياسة، للأول خصوصيته وقدسيته، فهو قائم على الفردية والشخصية، علاقة بين الرب والعبد لا دخل للدولة بها، والثانية تستند إلى ضرورات الواقع المتغير والمتلون.
    اختبرنا في مصر خلط الدين بالسياسة منذ عام ١٩٥٢ ووصلنا إلى الذروة في عهد السادات إلى نهاية عهد مبارك، فكان السير خطوة للأمام وخطوتان للخلف، وجاء زمن الجماعة وكان الخلط شديدا، ومن ثم كان الثمن باهظا حتى بالنسبة للدين الذي تعرض للاهتزاز في نفوس شباب مصري وظهرت على السطح ظواهر الغش والخداع باسم الدين، فكان منطقيا أن يخرج علينا من يعلن عدم إيمانه بالدين كما يقدمه البعض من رجاله.
    جاءت ثورة الثلاثين من يونيو تطالب بدولة مدنية حديثة تستند إلى القيم الآنسانية، إلى المواطنة والمساواة وعدم التمييز، إلى فصل الدين عن السياسة، وطالب الرئيس عبد الفتاح السيسي بإصلاح الخطاب الديني، وبدا أن بلادنا تسير باتجاه امتلاك الرؤية اللازمة لتحقيق عملية التحول العصي في منطقتنا وثقافتنا، ولكن سرعان ما بدا واضحا أن الرؤية اللازمة غائبة بالفعل، وما يحدث أن مجتمعنا يسير خطوة للأمام ثم يرتد خطوتان إلى الخلف.
    خذ على سبيل مثال التطورات التي مر بها مجتمعنا على مدار الأسبوع الماضي فقط، في الوقت الذي نتحدث فيه عن ضرورة تطوير مناهج التعليم والتخلص من اللغو والحشو واتباع الطرق الحديثة في وضع المناهج، تلك الطرق التي تحفز التفكير الحر والخلاق بعيدا عن الحفظ والتلقين وتزييف التاريخ، قرر رئيس الوزراء ضم الدكتور عباس شومان، صاحب فتوى أن مرسي ولي أمر وتجب علينا طاعته فيما يتخذ من قراررات، إلى لجنة تطوير التعلم، وتقدم حزب النور السلفي برؤيته لتطوير التعليم على طريقة برهامي والشحات، واكتمل المشهد بقرار وزارة التربية والتعليم إرسال بعثة إلى باكستان لدراسة تجربتها في تطوير التعليم، نتعلم من باكستان التي انتجت مناهجها حركة " طالبان".
    أكثر من ذلك تصدر المحكمة الإدارية العليا حكما يحظر الإضراب ويعاقب كل من يضرب عن العمل بالفصل من الوظيفة، مؤكدة أن الإضراب مخالف للشريعة الإسلامية، ما علاقة الشريعة بالإضراب عن العمل ؟ لا ندري، فالإضراب مهما كان موقفنا منه حق أصيل من حقوق العامل والموظف، قد ترد عليه بعض القيود والضوابط لكنه لا أبدا لا يمكن تجريمه، ناهيك عن وصفه بالمخالف للشريعة. وفي نفس الأسبوع خرجت علينا وزارة المالية بالقول أنها سوف تصدر صكوكا إسلامية ويعلم دارسي الاقتصاد أن رأس المال لا دين له، وأنه لا يمكن تديين الوسائط المالية وأن القضية برمتها هي دغدغة لمشاعر بسطاء المصريين.
    السؤال هنا لماذا هذا التوجه نحو تديين المجال العام في وقت تتطلب فيه عملية التحول التي تمر بها البلاد الفصل ما بين الديني والسياسي ؟ لمصلحة من يتم ذلك في وقت يسعى فيه رئيس الجمهورية إلى امتلاك رؤية واضحة نحو المستقبل، وكل ما يجري على الأرض يعرقل الوصول إلى هذه الرؤية ومن ثم يطيل من عملية التحول ويرفع ثمنها.
    مشكلة الإغراق في تديين المجال العام أنه يضرب الرؤية ويعيدها إلى المربع الأول وإلى السجال حول الغيبيات وهو أمر لن تصبر عليه الأجيال الجديدة طويلا ويمكن أن ترد عليه بالهجرة من الوطن ماديا والأخطر ثقافيا وروحيا أيضاً.
    المصري اليوم 
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك
    Item Reviewed: عندمــــا تتـــــوه البوصلـــة وتغيــــب الرؤيـــــــة Rating: 5 Reviewed By: Unknown
    Scroll to Top