د. عمــــاد جـــــاد
كثيرة هي البلدان التي مرت وتمر بمراحل تحول شامل، سياسي ، اقتصادي واجتماعي، بعضها نجح في عبور هذه المرحلة وانتقل من مصاف الدول المتخلفة إلى أعتاب الدول المتقدمة في شتى المجالات، من دولة نامية مديونة تتلقى المساعدات ولا يمكنها الاستغناء عنها، إلى مصاف الدول المقدمة للمساعدات والتي تلعب دورا هاما على الصعيد الإقليمي والدولي، لا نتحدث هنا عن دول الوفرة المالية التي تعتمد على استخراج المواد الخام وتصديرها، بل الدول الصناعية المتقدمة، فالأولى تظل دول متخلفة بكافة المقاييس وقد تحقق تقدما في مجال ما من المجالات لكنها أبدا لا تعتبر دولة متقدمة.
نشير هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى انتقال إسبانيا من مكانة الدولة النامية إلى الصناعية المتقدمة نتيجة تطور شامل سياسي ، اقتصادي واجتماعي فبعد أن كانت تقبع في ذيل دول أوروبا النامية في عهد الجنرال فرانكو في سبعينيات القرن الماضي، تحولت إلى دولة صناعية متقدمة يفوق ناتجها القومي الناتج القومي الإجمالي لكافة الدول العربية بما فيها البترولية. نفس الأمر ينطبق على دولة مثل البرازيل التي كانت تئن تحت وطأة الديون الخارجية وتنتشر بها مدن الصفيح والأحياء العشوائية حتى أنه عندما تسلم لولا دا سيلفا السلطة في يناير ٢٠٠٣ رفض صندوق النقد الدولي منح البرازيل قرضا لعدم ثقته في قدره البرازيل على السداد، وترك موقعه والبرازيل دائنة للصندوق ب١٤ مليار دولار.
انطلق دا سيلفا من رؤية شاملة لبلاده استندت إلى " الديمقراطية الاجتماعية" التي هدفت إلى تحقيق تنمية شاملة عبر معالجة قضية الفقر، وضع خطة شاملة لعلاج ظاهرة مدن الصفيح والعشوائيات، وعالج ظاهرة " أطفال الشوارع"، وضع خطة شاملة للقضاء على الأمية ودمج أبناء الفقراء ي العملية التعليمية، أصلح نظام التعليم واستفاد كثيرا من التجربة الكوبية، طوع المؤسسة الدينية وجعلها عامل مساعد له في تحقيق التنمية الشاملة، أحدث ثورة في المجال الثقافي.
تمكن هذا العامل والنقابي في نقابة عمال الحديد من تحسين أوضاع الفقراء في بلاده عبر الضرائب التصاعدية التي وفرت له نحو ٦٠ مليار دولار خصصها للفئات الأكثر فقرا مقابل التزام هذه الأسر بانتظام الأبناء في الدراسة، نجح هذا الرئيس، العامل والنقابي، في تحقيق إنجازات غير مسبوقة في كافة المجالات على النحو الذي جعله الشخصية الأكثر تأثيرا في العالم حسب مجلة " تايم" الأمريكية في العام ٢٠١٠.
تكشق تجارب الشعوب وخبراتها أن نجاح عملية التحول الشامل لا تعتمد على النوايا الحسنة لرأس السلطة، ولا الشعارات العاطفية، بقدر ما تعمد على امتلاك لرؤية الشاملة للتحول وهي رؤية تكتسب من تجارب الشعوب وخبراتها، دراسة نماذج التحول الشامل في شتى أنحاء العالم، والتركيز على تجارب التحول الناجحة في بلدان تزيد فيها العوامل المشتركة أو الظروف المشابهة، لا نتحدث عن الأبعاد الثقافية فقط، بل الظروف الشاملة، وأول متطلبات امتلاك الرؤية الشاملة هي إيمان رأس السلطة بأهمية العمل من خلال رؤية شاملة، والاعتماد على أهل الخبرة والاختصاص ي بلورة هذه الرؤية من منطلق واقعي، يتحدث البعض عن تجارب ماليزيا وتركيا، وهي في تقديري من أقل التجارب ملائمة لمصر، وأعتقد أن التجربة البرازيلية
( وتجارب أخرى من أمريكا اللاتينية ) هي الأكثر مناسبة لنا، المهم هنا امتلاك إرادة التحول الشامل ثم السير على طريق تحقيق هذه الرؤية وفق إطار زمني.
( وتجارب أخرى من أمريكا اللاتينية ) هي الأكثر مناسبة لنا، المهم هنا امتلاك إرادة التحول الشامل ثم السير على طريق تحقيق هذه الرؤية وفق إطار زمني.
وفي تقديري أن الخطوة الأولى في هذا المجال هي تشكيل فريق من خبراء في المجالات المختلفة لدراسة التجارب الناجحة في التحول الشامل، وتقديم خلاصة الرؤية لرئيس الجمهورية، الخطوة الثانية في تقديري هي إقرار متطلبات التحول الشامل أيا كان ثمنها وعدم السماح بعرقلة هذه الرؤية أو مقاومتها من قبل أي مؤسسة من مؤسسات الدولة أو المجتمع، ونذكر هنا ضرورة اعتماد أسس التحول المشتركة في كافة تجارب التحول الناجحة وهي الإيمان بالدولة المدنية الحديثة التي تقوم على أساس اعتماد كافة القيم الإنسانية من حرية، ديمقراطية، مساواة، وفي القلب من كل ذلك الإيمان بمبدأ فصل الدين عن السياسة، فلا تنمية شاملة دون " علمانية" بمعنى وقوف الدولة على مسافة واحدة من كافة الأديان والمعتقدات، والتسليم بأن الدول كيان اعتباري لا دين له، وأن وظيفة مؤسسات الدولة تنفيذ
" العقد الاجتماعي" الذي يربط الحاكم بالمحكومة.
" العقد الاجتماعي" الذي يربط الحاكم بالمحكومة.
الخطوة الثالثة هي وضع خطة زمنية لتنفيذ مشروع التحول الشامل، وأن تكون الخطة مقبولة ومعقولة زمنيا، كل ذلك في سياق رؤية تؤمن بدولة القانون والمؤسسات، وتنجح عملية التحول الشامل عندما يكون الإيمان مستقرا بدولة المؤسسات، ويتبدأ بواكير مشروع التحول عندما تتقدم المؤسسات على الأفراد، ومن ثم تترسخ في الواقع والوجدان العام، ومن هنا يبدو واضحا أهمية استكمال بناء مؤسسات الدولة عبر إجراء الانتخابات البرلمانية والإيمان بأن التجربة سوف تصحح نفسها من خلال حالة عامة من الرغبة في التنمية الشاملة، وأخيرا نقول النوايا الحسنة والقدوة الشخصية يمكن أن تحقق نتائج إيجابية متفرقة وفي مجالات مختلفة، لكنها أبدا لا تصنع نهضة شاملة، فذلك يتحقق فقط عبر امتلاك الإرادة ودراسة تجارب الشعوب وخبراتها.
المصري اليوم
