728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    Wednesday, May 13, 2015

    حرب "العبوات الناسفة" في مصر.. تعقيدات المواجهة


    بقلم/
    سعيد عكاشة
    المركز الاقليمي 

    في ظل غياب بيانات رسمية أو دراسات جادة عن نمط الحرب الدائرة ضد الجماعات الإرهابية في سيناء، يبدو من الصعب تحديد السلاح الأكثر فاعلية والذي تستخدمه الجماعات الإرهابية في مواجهة الجيش المصري. فعمليات هذه الجماعات تتنوع ما بين زرع عبوات ناسفة على الطرق التي تسير بها دوريات الجيش، حيث يتم تفجير هذه العبوات عن بعد، وعمليات أخرى يتم فيها استخدام قذائف الهاون ضد الأكمنة الثابتة وبعض الوحدات العسكرية ومؤسسات الدولة خاصة المؤسسات الشرطية، وأخيرًا عمليات أكثر تعقيدًا تجمع ما بين الهجمات بسيارات يقودها انتحاري، تتبعها هجمات بالأسلحة الشخصية بهدف إحداث أكبر قدرٍ من الخسائر بين الضباط والجنود في الأهداف المختارة.
    غير أن الخبرات من الدول التي خاضت مثل هذه الحروب، وخاصة الولايات المتحدة في حربها في العراق وأفغانستان منذ عام ٢٠٠١، تُشير إلى أن الجماعات التي كانت تُقاتل القوات الأمريكية في البلدين ركزت على استخدام أسلوب زرع العبوات الناسفة على الطرق التي كانت تمرُّ بها الدوريات وقوافل الإمداد الأمريكية، وقد قُدِّر إسهام هذه العمليات في الخسائر البشرية الأمريكية في العراق حتى منتصف عام ٢٠٠٧ بـ80% من جملة خسائر القوات هناك.

    خصائص السلاح

    يطلق على العبوات الناسفة مصطلح له دلالة وهو improvised explosive device- IED، وتعني حرفيًّا "أجهزة التفجير العشوائي"، حيث إنها غير مخصصة لغرض محدد مثل الأسلحة الأخرى الخفيفة والثقيلة، وقد طورها من يستخدمونها لتصبح قنابل موقوتة يتم زرعها على جوانب الطرق، والقيام بتفجيرها عند مرور هدف يُراد تدميره.

         وغالبًا ما يكون هذا الهدف ناقلات للجنود أو دوريات عسكرية تمر على هذه الطرق، وعادةً ما تحصل الجماعات الإرهابية على حاجتها من مواد التفجير والأدوات اللازمة له، إما من خلال السرقات التي تتم من مخازن القوات الحكومية ذاتها، أو من أصحاب الأنشطة المدنية التي تتعامل قانونيًّا مع هذه المواد (المحاجر مثلا)، ومؤخرًا إقامة التنظيمات الإرهابية ورشًا لتصنيع هذه المتفجرات، بينما تستخدم وسائل تفجير من أجهزة ووحدات لها استخدامات مدنية، مثل: (وحدة الأمان في السيارات، وأجهزة الروموت في التليفزيون والسيارات والأبواب عامة، وأجهزة التوجيه في ألعاب الأطفال، وبعض الدوائر الكهربية المنزوعة من الأجهزة المنزلية الكهربائية مثل الغسالات والثلاجات).

    ولم يقع اختيار التنظيمات الإرهابية التركيز على أسلوب زرع العبوات الناسفة في حربها ضد الجهات التي تُعاديها مصادفة، فلهذا الأسلوب في المواجهة فوائد عدة لجماعات لا تمتلك أسلحة حديثة، كما يتعرض مخزونها من طلقات الرشاشات وقذائف الهاون للتناقص مع احتمالات عدم القدرة على تعويض هذا النقص، إما لعدم القدرة على الوصول إلى أسواق بيع هذه الذخائر، أو عدم كفاية التمويل اللازم لشرائها، أو بسبب الإجراءات المتزايدة من قبل الدول والحكومات للسيطرة على طرق التهريب التي تمر منها هذه الأسلحة والذخائر.

    وبالتالي تكون الصناعة المحلية للأسلحة والذخائر هي الوسيلة الوحيدة أمام هذه التنظيمات للتغلب على الصعاب التي تواجهها في هذا الجانب، ولكن ذلك يتطلب أيضًا خبرات ومواد خامًا يصعب توفيرها، بعكس تصنيع العبوات المتفجرة التي لا تحتاج إلى إمكانيات مالية كبيرة، كما أن تصنيعها لا يستلزم مراكمة خبرات واسعة.
    وقد وصف نائب رئيس هيئة الأركان الأمريكية السابق الجنرال "ريتشارد كودي" العبوات الناسفة التي تستهدف تفجير عربات ومدرعات القوات الأمريكية في العراق بأنها "صواريخ كروز الفقراء"، كما ذكر الجنرال "جون أبي زيد" القائد الأسبق للقوات الأمريكية بالشرق الأوسط، في شهادة له أمام لجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي في مارس ٢٠٠٧، أن العبوات الناسفة هي "أكثر أسلحة العدو فاعلية"، مضيفًا: "إنها السلاح النموذجي غير التقليدي، فهو رخيص وفعال ومجهول الهوية".
      
    ليست الفاعلية ورخص الثمن هي وحدها التي تجعل من العبوات الناسفة سلاحًا مفضلا للجماعات الإرهابية، فالأهم أن عملية زرعها تبدو سهلة وقليلة المخاطر بالنسبة لمن يزرعونها، حيث يتم استخدام سكان القرى والمدن القريبة من الطرق التي تمر من فوقها القوات المستهدفة لزرع هذه العبوات، في وقت يصعب فيه حراسة هذه الطرق بشكل مستمر وكامل.

    وتلعب عناصر متنوعة دورها في تسهيل هذه العمليات، كأن تقع البلاد تحت احتلال عسكري (كما هو الحال في العراق وأفغانستان) بما يسهل إقناع الكثيرين من المواطنين بأن هذه الأعمال تُعد تضحية مطلوبة دينيًّا ووطنيًّا، كما تلعب الحاجة المادية والغضب من السياسات الاجتماعية-الاقتصادية دورًا بارزًا في الحالات الأخرى التي تكون فيها المواجهات قائمة بين حكومات وطنية وجماعات متمردة عليها تتخذ من الدين وسيلة لشرعنة أعمالها الإرهابية ضد الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة، والتي قد تكون بدوافع أيديولوجية محضة، أو نتيجة اختراقات من دول أخرى لهذه التنظيمات بهدف التأثير على أمن واستقرار الدولة التي تستهدفها هذه الجماعات من أجل حرمانها من الاستثمارات أو منعها من لعب دور إقليمي ودولي في غير صالح الدولة أو الدول الداعمة لهذه الجماعات الإرهابية.

    صعوبات الحالة المصرية

    وفي الحالة المصرية، أي في المواجهة الدائرة في سيناء بين الدولة وعشرات التنظيمات الإرهابية، تكمن الصعوبة الكبرى في أن الطرق التي تستخدمها القوات المصرية تمر عبر قرى ومدن تتخذ منها هذه التنظيمات قاعدة لها، مستغلة بعض خصائص الثقافة القبلية المستعصية على تقبل الاندماج في إطار الدولة الوطنية، فضلا عن الرعب الذي تبثه هذه الجماعات في أوساط الفئات المستعدة للتعاون مع أجهزة الدولة ضدها (مثال ذلك عمليات قطع الرءوس لمن تسميهم هذه الجماعات بعملاء الدولة من الأهالي المحليين).

     كذلك يمكن توقع أن تكون بعض السياسات الاقتصادية الاجتماعية للدولة المصرية عبر عقود قد تسببت في إغضاب بعض الفئات الأخرى بما سهّل للجماعات الإرهابية إقناعها بالانضمام إليها، وتنفيذ بعض العمليات الموجهة ضد الجيش والشرطة، إضافة إلى فئة ثالثة وهي العمالة الهامشية في مهن مثل تهريب البضائع المحظورة وزراعة المخدرات والاتجار بالبشر والسلاح؛ حيث يصعب مراقبتها في الوقت الذي تدور فيه الحرب ضد الإرهاب، ومن ثمّ تنشأ علاقة تعاون بين هذه الفئة والجماعات الإرهابية في مواجهة العدو المشترك (الجيش والشرطة).

    من خلال هذه البيئة الحاضنة تتمكن الجماعات الإرهابية من تجنيد العناصر التي تقوم بزرع العبوات الناسفة وتفجيرها عن بعد عند مرور قوات من الجيش والشرطة بالقرب منها، فيما توفر هذه الجماعات كوادرها الأكثر مهارة والأرقى تدريبًا وتسليحًا والأكثر تشددًا من الناحية الأيديولوجية للعمليات الأكثر تعقيدًا، مثل: الهجمات الانتحارية، والهجمات على المواقع الثابتة (الأكمنة، ومعسكرات الجنود، ومقرات القيادات العسكرية والاستخباراتية).

    وفي هذا السياق، يشير مؤشر القاهرة لقياس الاستقرار في الشرق الأوسط - الحالة المصرية ( 2013- 2014 ) الصادر عن المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية، أنه خلال الفترة من 30 يونيو 2013 وحتي 31 ديسمبر 2014 بلغ عدد شهداء الجيش في كافة المحافظات 203 شهيد، بالاضافة إلي 319 شهيدا من الشرطة. وبلغت نسبة الضحايا من الفئتين المذكورتين في سيناء وحدها 51% من جملة الشهداء في أنحاء البلاد. وقدرت نسبة إسهام حوادث زرع العبوات الناسفة مقارنة ببقية الوسائل الآخرى ( هجمات انتحارية، أو اشتباكات مباشرة ، عمليات قنص ، هجمات بمقذوفات من مسافات بعيدة) بما نسبته 40% من جملة العمليات الإرهابية.

    ورغم أن المؤشر لم يوضح نسبة إسهام العبوات الناسفة في إسقاط ضحايا الجيش والشرطة في سيناء وحدها، فمن المتوقع أن تكون هذه النسبة مرتفعة مقارنة بالوسائل الآخرى التي استخدمتها هذه الجماعات.

    مواجهة العبوات الناسفة:

    برغم استثمار الولايات المتحدة الأمريكية ودول حلف الناتو عدة مليارات من الدولارات منذ عام ٢٠٠٦ لمواجهة حرب العبوات الناسفة في أفغانستان والعراق، فإن المردود كان قليلا بسبب التكلفة الكبيرة للوسائل التي تم ابتكارها بعد فشل الوسائل التقليدية في الحد من الخسائر، مثل: استخدام أجهزة التشويش على الموجات المستخدمة في تشغيل الهواتف المحمولة، والتي تستخدمها الجماعات الإرهابية بكثافة لتفجير العبوات من بعد، أيضًا لم تؤدّ الكلاب المدربة على كشف المفرقعات مهمتها بشكل كبير بسبب ابتكار الجماعات الإرهابية وسائل لخداعها، فضلا عن عدم عمليتها على الطرق الطويلة.

     أما استخدام الروبوتات فإنها بدورها تبدو مكلفة للغاية، والأمر ذاته بالنسبة لاستخدام عربات مدرعة أكثر قوة، مثل "كوجار" و"بافلو" على الرغم من ثبات نجاحهما في مواجهة العمليات في العراق وأفغانستان بعد عام ٢٠٠٧، حيث إن الإنتاج علاوة على تكلفته الباهظة يبدو قليلا، وربما بسبب هذه التكلفة ذاتها.

    قصارى القول إن حرب العبوات الناسفة ستظل هي الأكثر تسببًا في إسقاط الضحايا من المدنيين والعسكريين في مصر خاصة في سيناء، بسبب رخص تكلفة هذه العبوات وسهولة تصنيعها والعثور على من يزرعها ويفجرها من بعد دون خسائر لأفراد الجماعات الإرهابية التي تستخدم هذا النوع من الوسائل في حربها ضد الدولة المصرية.

     وفيما تبدو عملية منع زرع هذه العبوات أو تفجيرها قبل أن يفجرها الإرهابيون في قوات الجيش والشرطة شبه مستحيلة بسبب تضافر عناصر محلية وإقليمية ودولية معًا من أجل استمرار هذه الحرب، يبدو التركيز على تفكيك المكون المحلي في الأزمة أهم عناصر مواجهة هذه الحرب عبر تقوية الأجهزة الاستخبارية، وجذب عناصر من السكان المحليين للتعاون مع الجيش والشرطة، جنبًا إلى جنب مع تطوير الوسائل التقليدية التي تتعامل مع مثل هذا النوع من الأسلحة أو الذخائر.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك
    Item Reviewed: حرب "العبوات الناسفة" في مصر.. تعقيدات المواجهة Rating: 5 Reviewed By: Unknown
    Scroll to Top