احمد بان
تبدو مصر تعيش فصلًا جديدًا من فصول انتظار مستقبل لم يولد وماض لا يريد أن يرحل، بعد مرور أربع سنوات على موجات ثورتها، سواء الأولى فى 25 يناير، التى كانت تعبيرًا عن لحظة أمل انتصرت فيه إرادة قوى حية فى هذا المجتمع على كل محاولات التيئيس من التغيير، من تحالف الفساد والاستبداد الذى تغول فى العقد الأخير من حكم مبارك، وتصور أنه قادر على تمرير مشروع التوريث الذى تصدت له القوى الحية فى هذا المجتمع وفى طليعتها الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية»، التى حرّكت المياه الراكدة فى حياتنا السياسية وأنعشت الآمال فى التخلص من نظام حكم، وصل بالحياة فى مصر إلى الحضيض وإن تبجح دعاته ومنظروه بمشروعات البنية الأساسية ومعدلات النمو العالية، التى ظلت تتمدد فى مدن خاصة بالأغنياء ومنتجعات فى الساحل الشمالى، لتكرس ما قامت ثورة يوليو للقضاء عليه من الظلم الاجتماعى الذى لخصته مقولة مجتمع الخمسة بالمئة الذى يملك كل شىء فى مواجهة أغلبية لا تملك أى شىء. أو موجة 30 يونيو التى كانت تهدف لتصحيح مسار الثورة.
لا يزال الظلم الاجتماعى فى مصر فادحًا وفاضحًا، بين من يملكون كل شىء وهم قلة فاسدة فى معظمها كونت ثرواتها فى الغالب من حرام، لا يزال الفساد الذى ضرب كل المؤسسات بلا استثناء متغولا، إلا من مؤسسة عسكرية راهن الكثيرون على أنها بما اشتهر عنها من حزم وانضباط قادرة على لجمه، نخشى الآن أن يلتهم فى ما التُهم أو يفسد فى ما أُفسد حتى تلك المؤسسة العريقة، تأملوا هذا الحجم الضخم من التشريعات التى صدرت فى غياب البرلمان والتى وصلت وفق بعض التقديرات إلى 500 تشريع، أصدرتها السلطة التنفيذية فى أطول فترة عاشتها مصر بلا برلمان، بين سلطة تنفيذية يرأسها رئيس وزراء يبذل جهدًا جبارًا كرئيس لشركة مقاولات أكثر منه رئيس وزراء، فيخطط ويبتكر ويتخيل، وسلطة تشريعية غائبة، وفساد محليات ومؤسسات شامل، وقضاء فى معظمه إلا قليلًا يتعامل مع تلك المؤسسة باعتبارها سلطة سيادية منفصلة عن الدولة، لا تتكامل فى منظومة دولة عصرية بقدر ما تعبر عن نفسها وتطلعات أبنائها، خصوصًا مع مؤشرات قديمة جديدة تجعلها ناديًا خاصًّا لأبناء من يسمونهم من نشؤوا فى بيئة قضائية، ولا أعلم من صاحب هذا التعبير الذى يجعل المجتمع طبقات، بحيث يصبح ابن البواب بوابا لأنه نشأ فى بيئة بوابين، وابن المعلم ينشأ معلما، لأنه نشأ فى بيئة معلمين.
كيف أفهم استبعاد شاب من سلك النيابة والقضاء بسبب مهنة أبيه ما دامت مهنة شريفة؟! من يرعى أن يتحول مجتمعنا إلى مجتمع طبقات معزولة عن بعضها بما يهدد سلامته وتماسكه الذى ينشط الكثيرون فيه لتمزيق وحدته وتماسكه عبر كل سبيل؟!
أما من راهن الشعب عليهم وتصور أنهم من الممكن أن يجسدوا البديل لتحالف الفساد والاستبداد، سواء اليمين الدينى الذى أعطاه الشعب فرصته، لكنه بددها لحساب حلمه الخاص، أو القوى السياسية من الأحزاب السياسية الأخرى، سواء اليسارى أو الليبرالى أو القومى أو غيره، فقد وطّن نفسه على أن يكون جزءًا من المشهد السياسى وإن لعب دور الكومبارس على طول الخط، ويبدو أنه من شب على شىء شاب عليه، على الرغم من أننا عرفنا هذا الممثل الذى يلعب لفترات طويلة دور الكومبارس، لكنه مع مزيد من الجهد والعرق يطور قدره وقدراته فينجح فى أن يلعب دور البطولة ويحتل مكانه كبطل لسنوات طويلة.
يبدو الشعب المصرى منتظرًا، يفكر بعضه بمنطق التمنى أن يكون بطله على قدر طموح شعبه، وينجز ما فشل سلفه فى تحقيقه متجاهلًا كل المؤشرات السلبية.
ويبدو بعضه رافعًا لواء المعارضة الراديكالية مرددًا كل ألوان الشتائم والسخائم، متصورًا أن هذا النشاط السلبى قد يفرز واقعًا آخر يزخر بالعدل والحرية والرخاء.
ويبدو الفريق الأكبر وهو الثالث مشفقًا على كل هؤلاء واقعًا فى حيرة بينهم، فالانطلاق بمصر لا يتم إلا عبر جمع هؤلاء فى صعيد واحد، خصوصًا فى ظل ما تواجهه مصر من تحديات. لا بديل عن إجماع وطنى جديد يحرر أهداف الشعب وطموحاته بخارطة جديدة يكتبها الجميع، أو يتوافق على مقرراتها الجميع، مصر تتفكك فى هدوء لا يشعر به الكثيرون ويبدو الانتظار لونًا من الانتحار يقطع الطريق على انتصار مصر على آلامها وعبورها للمستقبل.
أرجوكم كفانا انتظارًا ولتتشابك الأيدى ولنعلُ على جراحنا ونعمل فى المشترك وهو كثير قبل فوات الأوان، لتتجاوز مصر الانتظار لحساب الانتصار.
