شروق عادل السيد
باحث متخصص في برنامج الدراسات الأمريكية
تُعتبر قضية التمثيل السياسي لأقباط مصر في البرلمان من الملفات الشائكة ذات الأبعاد المختلفة، وتتنوع أبعادها بين السياسية والاجتماعية والأمنية. ففي ظل غياب الوعي، وعدم ملاءمة المناخ السياسي، وضعف الأحزاب، وصعود التيارات الدينية؛ تضاءلت فرصُ تمثيل الأقباط في البرلمان. ومع الأحداث الجارية وما تشهده الساحة السياسية من حراك منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير؛ طرأت بعض التغييرات على الخريطة السياسية والمجتمعية، وبالتالي يمكن الجزم بوجود عدد من المعوقات الأساسية التي تحول دون تمثيل عادل للأقباط في البرلمان، غير أن حلولا مقترحة في هذا الإطار يُمكن أن تكفل وجود برلمان ناجح يقوم بوظائفه التشريعية، ويعبر عن المجتمع المصري بكل أطيافه وانتماءاته.
أولا: دور متأرجح:
على الرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية بعدد الأقباط في مصر، فإنه بالنظر إلى الحراك السياسي للأقباط ودورهم في الحياة السياسية في فترة ما قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير؛ يُلاحظ أن هذا الدور كان محدودًا، حيث كان الوجود السياسي للأقباط ضعيفًا، لعبت فيه الكنيسة الدور الرئيسي.
وقد أسهمت عدة عوامل في تقوية الدور السياسي للكنيسة كممثل عن الأقباط، منها: أن الدولة اعتمدت على البُعد الطائفي للمجتمع لترسيخ حكمها، ووسيلة لتسهيل تغلغلها وسيطرتها عليه. كما عمقت الحلولُ الأمنية التي اعتمدت عليها السلطة في تناولها للأزمات النزعةَ الطائفية في المجتمع، وبالتالي أصبحت الكنيسة ممثل الأقباط الذي يتفاوض باسمهم مع الدولة، وتتعامل معه الدولة باعتبارها وصيًّا عليهم. غير أن الحياة السياسية بشكل عام قد اتخذت منحى جديدًا أثناء الثورة، وما شهدته البلاد من حراك شعبي لم يحدث من قبل. وبالتالي اتسع مجال تحرك الحياة السياسية، فكان الدور القبطي محوريًّا في المعادلة السياسية في مصر إبان ثورة 25 يناير 2011.
ولعل أبرز ملمح للوجود المحوري للدور القبطي في الحياة السياسية المصرية كان متمثلا في خروج الأقباط من عباءة الكنيسة، وبالتالي نهاية مؤقتة لدورها السياسي كممثل عن الأقباط للدولة. فقد شارك الأقباط في الثورة كمصريين، متجاهلين نداءات الكنيسة بعدم جواز المشاركة في الاحتجاجات. غير أن الحال لم يستمر طويلا على المنوال ذاته. فبمجرد تنحي مبارك، شهدت مصر حالة غير مسبوقة من الاستقطاب السياسي على أساس ديني، أسهم في استعادة المؤسسات الدينية لدورها السياسي مرة أخرى، لا سيما الكنيسة التي عادت كملاذ أخير للأقباط في ظل أجواء الاستقطاب الديني والطائفي، وصعود التيارات الإسلامية، والحوادث والاعتداءات الطائفية. إلا أن العلاقة بين الدولة والكنيسة لم تكن تسير في نفس الاتجاه المعهود منذ عهد مبارك. فكانت أحداث ماسبيرو التي قتل وأصيب فيها عشرات الأقباط، قد وضعت الكنيسة في موقف حرج، إذ لم تستطع موالاة النظام، ولم تصرح بمعارضته، فاتبعت سياسة الصمت، لكن تظل أحداث ماسبيرو هي الفيصل الذي أعاد الأقباط مرة أخرى إلى حالة التقوقع داخل أسوار الكنيسة.
تلت المرحلة الانتقالية مرحلة تولي جماعة الإخوان المسلمين للسلطة. وقد سعى خلالها الرئيس الأسبق محمد مرسي إلى إرسال رسائل لطمأنة الأقباط على وضعهم في ظل حكم جماعة تسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية، لكن جهده في هذا السياق لم يُكلل بالنجاح. وبالتالي اعتبر عددٌ لا يستهان به من الأقباط وصول جماعة الإخوان للحكم هو بمثابة إعلان وفاة للدولة المدنية التي كانت من أهم أهداف ثورة الخامس والعشرين من يناير.
واستمرت حالةُ التوتر بين الأقباط ونظام جماعة الإخوان المسلمين، حتى بلغ التوتر مداه عند انسحاب ممثلي الكنيسة من الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور، واستمرار عمل الجمعية، وإصدار الدستور دون وجود ممثل عن الكنيسة، مما عمق الأزمة بشكل أكبر، إلى أن برز منعطف آخر في مسيرة الأقباط السياسية في مصر متمثلا في ثورة الثلاثين من يونيو؛ حيث كان حضور الكنيسة ملحوظًا وجوهريًّا. واعتُبر حضور البابا تواضروس الثاني بجانب وزير الدفاع آنذاك الفريق أول عبد الفتاح السيسي استعادة للدور السياسي للكنيسة، وخطوة لإعادة الروح للعلاقة بين الكنيسة والدولة. إذ على العكس من موقفها من 25 يناير 2011، أيدت الكنيسة المشاركة في مظاهرات 30 يونيو، كما شاركت بعد ذلك في لجنة الخمسين لوضع الدستور المصري، بل ودعت للتصويت عليه بنعم، بدعوى أن "نعم تجلب النعم".
ثانيًا: فقدان توازن:
لم يكن تمثيل البرلمان المصري للشعب تمثيلا متوازنًا فيما يخص الأقباط على الأقل. فبالنظر إلى عددهم (المنتخبين والمعينين) في البرلمان منذ عهد مبارك، يتضح أن تمثيل الأقباط في البرلمان ظل مقيدًا بمنحة الحاكم. وهو وضع كان من السهل تكريسه في المرحلة اللاحقة للثورة، حيث التدهور في الحياة السياسية، وقلة الوعي، وصعود الإسلاميين من أهم أسباب عزوف الأقباط عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية، سواء بالترشح أو الانتخاب.
وبالعودة إلى ما قبل الثورة، فقد تدهور التمثيل البرلماني للأقباط في عهد الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك؛ حيث بلغت نسبةُ مشاركة الأقباط في البرلمانات خلال العقود الثلاثة لحكم مبارك 2% تقريبًا. ففي عام 2000 على سبيل المثال كان 3 أقباط فقط منتخبين في البرلمان، وثلاثة معينين من قبل رئيس الجمهورية. في حين بلغت نسبة الأقباط المرشحين في انتخابات برلمان 2005 حوالي 1.5%، وفي انتخابات 2010 كانت نسبة الأقباط المرشحين 0.4% . حيث ترشح 35 قبطيًّا فاز منهم 4 فقط عن الحزب الوطني، فيما قام الرئيس بتعيين 6 آخرين.
أما بعد ثورة 25 يناير فقد تحركت المياه الراكدة، وقام شباب الأقباط بتشكيل جماعات توعية سياسية، مثل "أقباط من أجل الانتخابات" و"أقباط من أجل مصر" للتوعية بأهمية المشاركة في الانتخابات، تماشيًا مع الروح الإيجابية التي سادت ذلك الوقت. كما كان لهم دور سياسي وحزبي، فساهموا في الحياة الحزبية عن طريق المشاركة الفعالة في الأحزاب القائمة بالفعل، أو إنشاء أحزاب جديدة. وقد شهدت بالفعل انتخابات 2011 إقبالا قويًّا، لكن كالعادة، كان الاستقطاب السياسي ذو التأطير الديني من الجماعات الإسلامية أقوى. قوبل ذلك برد فعل من الكنيسة بتأييد للأحزاب المدنية والليبرالية. فقد ترشح 32 قبطيًّا من إجمالي عدد المرشحين، وضم المجلس 11 قبطيًّا بنسبة 2.2%.
ثالثًا: اغتراب سياسي:
تتوقف المشاركة السياسية في أي مجتمع لطائفة بعينها على مدى الاندماج السياسي والاجتماعي الذي تتمتع به هذه الطائفة، ومدى ما توفره البيئة المحيطة من فرص، وما تفرزه من معوقات. وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى المعوقات التي حالت دون مشاركة سياسية فاعلة للأقباط، فيما يلي:
- الثقافة السياسية:
في حقيقة الأمر، افتقر المجتمع إلى ثقافة سياسية حقيقية تقوم على أساس قيم المواطنة، والمشاركة، واحترام الآخر، والوعي بالحقوق والواجبات. فقد كان العملُ السياسي -بصفة عامة- بالنسبة للأقباط صعبًا في ظل أجواء تسيطر عليها حالة الطائفية والاستقطاب، إلى جانب صعود التيارات الإسلامية، فضلا عن فساد الحياة السياسية في فترة ما قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير، حيث تزوير إرادة الشعب، وتزييف أصواته. وأدى ذلك إلى وجود اعتقاد راسخ بعدم جدوى المشاركة في الانتخابات البرلمانية، سواء بالترشح أو الانتخاب. فضلا عن تجاهل الأحزاب السياسية لأزمة مشاركة الأقباط في البرلمان، وعدم الاهتمام بشكل جدي بخلق برلمان متوازن، فلم تهتم الأحزاب بنشر ثقافة سياسية واعية، ولم تهتم بخلق حياة ومناخ سياسي صحي، وصنع كوادر قادرة على تبني الرؤى، وقيادة البلاد إلى مستقبل أفضل.
- الخطاب الديني:
في ظل حالةٍ من عدم نضج الخطاب الديني، وانتشار حالة الاستقطاب السياسي؛ أدى ذلك إلى إقحام الدين في الحياة السياسية، وإلى ركاكة الخطاب الديني، وعدم توازنه. فعانى المجتمع من غياب مبادئ أخلاقية، كالتسامح، وانتشار روح الطائفية. وفي ظل سيطرة الطائفية على المشهد، وعلو الخطابات الدينية التحريضية، لا سيما خلال فترة الانتخابات؛ أصبح التصويت على أساس الانتماء الديني والقبلي هو سيد الموقف، وبالتالي انتفت قواعد الاختيار وفق معايير الكفاءة، وبقيت معايير المواءمة.
رابعًا: مسارات محتملة:
تُعتبر الانتخابات البرلمانية القادمة من أهم التحديات التي تُواجه النظام المصري لإثبات وجوده، وتقبله في الشارع السياسي. وتتنافس القوى السياسية المختلفة في هذه الانتخابات. ولكن قبل الحديث عن السيناريوهات المحتملة لنتائج الانتخابات يجب رسم صورة واضحة لشكل المنافسة السياسية على الساحة في الوقت الحالي، لتبين موقع الأقباط من هذه التنافسات، ومدى اندماجهم في التحالفات الانتخابية القائمة.
فبعد عام من حكم جماعة الإخوان المسلمين، وبعد خروج الحشود الرافضة لها في 30 يونيو؛ يمكننا القول إن قوى الإسلام السياسي قد فقدت الكثير من قوتها ونفوذها، لكن في الوقت ذاته لا تُوجد قوى مدنية قوية بدرجة كافية لتأخذ مكان هذه الجماعات الإسلامية في الشارع المصري، لذا فإن أغلب الظن هو عودة رجال النظام القديم في ثوب جديد وشخصيات جديدة، فهم الأجدر على الفوز بالمنافسة، وهم الأكثر خبرة بدهاليز الانتخابات البرلمانية. وتحركت القوى السياسية لتحول دون ذلك فأقامت التحالفات الانتخابية.
وهناك مساران محتملان لنتائج الانتخابات البرلمانية القادمة، فإما أن يبقى الحال على ما هو عليه، مما يعني عدم تغير جذري في الوضع الحالي من تطوير للحوار السياسي والثقافة السياسية وتقوية القوى المدنية في مواجهة القوى الدينية، وذلك الوضع من شأنه أن يُقلل فرص الأقباط في التمثيل البرلماني، أو على أقل تقدير فإن نسبة تمثيلهم في البرلمان المقبل المزمع عقده في يوليو 2015 لن تختلف كثيرًا عما كانت عليه في الماضي، فالوضع لن يتغير.
أما السيناريو الآخر الأكثر صعوبة، فهو إحداث تغيير حقيقي، وإعادة هيكلة الحياة السياسية. ويتطلب ذلك إعادة رسم وترتيب المجتمع وعلاقته مع السلطة ووعيه وإدراكه. ولهذه المرحلة عدة مستويات، فهي تعتمد على إصلاح الثقافة السياسية، وزرع نواة لمجتمع متقبل لنفسه، ثم بعد ذلك يأتي دور السلطة التشريعية في وضع التشريعات المناسبة التي تمنع استغلال الدين في السياسة، وتتيح فرصًا متكافئة لكافة طوائف المجتمع، وترسيخًا لقيم المواطنة، وإعلاء لصوت القانون. وقد تكاثرت المقترحات التشريعية التي هدفت إلى خلق فرص متكافئة للأقباط. فكان هناك مقترح للجوء لعملية التمييز الإيجابي، واستخدام الكوتة للأقباط على غرار كوتة المرأة. ولكن هذا الاقتراح من شأنه تعميق الفجوة الطائفية في المجتمع، بالضبط مثل الاقتراح القائل باتباع نظام القائمة الطائفية في الانتخابات، أي وضع قائمة خاصة بهم في الانتخابات. تلك السياسات لن تحل المشكلة بشكل جذري، بل هي مسكنات، من الممكن أن تقدم حلا شكليًّا، ولكنها في حقيقة الأمر تعمق الشعور بالاغتراب داخل المجتمع.
وبالتالي يمكن القول إن الأكثر ملاءمة هو تعديل النظام الانتخابي ليقوم على أساس القائمة النسبية، فتكون للأقباط فرصة للتمثيل داخل البرلمان. فتعديل النظام الانتخابي لن يكون على الدرجة المطلوبة من الكفاءة إلا إذا صاحبته أحزاب قوية قادرة على تولي مهمة إقامة حياة سياسية متوازنة. فعلى كل حزب أن يأخذ على عاتقه مسئولية تخصيص نسبة من قائمته الانتخابية للشخصيات القبطية والمرأة، الشخصيات غير الممثلة بشكل متوازن داخل البرلمان، ولن يقوم أي حزب بذلك إلا إذا وصل إلى درجة عالية من الكفاءة والمهنية. وحتى نصل إلى تلك الدرجة، على الدولة أن تعدل قانون الانتخابات لتلزم الأحزاب بذلك. كما أن للأحزاب دورًا في تنمية وارتقاء الثقافة السياسية ونشر الوعي، يصاحب ذلك دور الدولة وأجهزتها في تأصيل الأعمال بالقانون، وحماية المواطنين، واحترام حقوقهم السياسية.
هذه الحلول على المدى الطويل، أما بالنسبة للانتخابات المزمع عقدها بعد عدة أشهر، فالوقت ليس بطويل، ومن المتوقع أن تتأثر نسبة مشاركة الأقباط في الانتخابات بشكل عام وفقًا لتقسيم الدوائر الانتخابية التي لم يتم الإعلان عنها بعد. ففي الأماكن الريفية والقبلية، من الممكن أن تنعدم فرص نجاح الأقباط المرشحين وفقًا للنظام الفردي، نظرًا لتجمع الإسلاميين ومؤيديهم في هذه الأماكن.
وخلاصة الأمر، إذا أرادت مصر أن تكون لديها حياة سياسية متوازنة، فلا بديل من الاعتراف بأهمية التمثيل السياسي، وأهمية الأقباط كجزء أساسي في المعادلة السياسية.
