من المعلوم أن تنظيم الدولة الإسلامية تبنى هجمات في تونس في غير ما مرة، وفي السعودية والكويت، وفي فرنسا ومصر ونيجيريا، وطبعًا في سوريا والعراق وليبيا ومالي، لكن داعش لم تضرب أبدًا داخل إيران، تُرى لماذا؟!
لا نقصد في طرح السؤال أنه على داعش ضرب إيران لكي تستقيم الأمور في أعيننا، أو ربط علاقة متسرعة بين إيران وداعش، فعلى كل حال هناك بلدان عديدة لم ترد فيها حادثة عنف متبنية من قبل التنظيم، مثل (إسرائيل) والصين واليابان وألمانيا وبلدان أخرى، لكن كل ما نوده في هذا المقال هو قراءة هذا السؤال بالقدر المناسب.
حسنًا، لكن هل حقًّا “داعش” لم تضرب إيران من قبل؟ حتى نكون صريحين فـ”داعش” لا تتوانى عن ضرب المصالح الإيرانية وحلفائها خصوصًا في العراق وسوريا ولبنان، سواء تجلى ذلك في شن الهجمات “الانتحارية” ضد سفاراتها ومراكزها الثقافية والدينية، أو حتى ضرب العمق الشعبي الشيعي الموالي لسياساتها ومذهبها كما حدث في تفجيرات الضاحية الجنوبية الأخيرة، بل إنه في الأول من يونيو الماضي قام مسلحون من “الدولة الإسلامية في العراق والشام” بمهاجمة نقطة أمنية بقصر شيرين في الحدود الإيرانية العراقية، وقتلوا عسكريين إيرانيين اثنين.
وباستثناء ذلك لم تسجل حوادث فعلية ضربت العمق الجغرافي الإيراني وتبنتها “داعش”، بالرغم من أن الشيعة عمومًا هم العدو اللدود للتنظيم المتطرف.
كان تنظيم “داعش” في البداية فرعًا في العراق تابعًا للقاعدة، حينها أبو مصعب الزرقاوي هو من كان يتزعمه، وكانت إيران لديها علاقة مع القاعدة بما يشبه تحالفًا ضمنيًّا على أساس المصلحة المشتركة، حيث تود إيران من القاعدة محاربة القوات الأمريكية وتجنب المساس بالأمن الإيراني، وبالمقابل ترك طرق الإمداد مفتوحة في الحدود مع أفغانستان والعراق، ويبدو أن تمرد “داعش” على تنظيمه الأم “القاعدة” لم يغير من هذه العلاقة شيئًا.
بدا هذا واضحًا في تسجيل صوتي نشرته وسائل الإعلام في مايو الماضي للمتحدث باسم “داعش” أبو محمد العدناني، يقول فيه: “ظلَّت الدولة الإسلامية تلتزم نصائح وتوجيهات شيوخ الجهاد ورموزه؛ ولذلك لم تضرب الدولة الإسلامية الروافض في إيران منذ نشأتها، وتركت الروافض آمنين في إيران، وكبحت جماح جنودها المستشيطين غضبًا رغم قدرتها آنذاك على تحويل إيران لبرك من الدماء”. مضيفًا: “وكظمت غيظها كل هذه السنين، تتحمّل التهم بالعمالة لألد أعدائها إيران لعدم استهدافها، تاركة الروافض ينعمون فيها بالأمن والأمان امتثالًا لأمر (القاعدة) للحفاظ على مصالحها وخطوط إمدادها في إيران”.
سبب ثان ساعد إيران في أن تبقى في مأمن من ضربات “داعش”، يتجلى في كون الأغلبية الساحقة منها تعتنق المذهب الشيعي، ومن المعروف أن تنظيم “داعش” ينتسب لـ”الإسلام السني” بالأساس، فهو ينصب نفسه حاميًا للسنة في العراق ضد السياسات الطائفية للحكومة العراقية، وبالتالي فليس لدى داعش عمق سكاني بإيران، حيث يمكن تجنيد أنصاره هناك لشن هجمات كما يحصل مع بعض الدول الأوروبية.
بالإضافة إلى ذلك فإيران ليس بلدًا سهلًا بالنسبة للمتطرفين، كالشأن مع بلدان أوروبا التي توفر الحرية في التنقل والتعبير والكثير من الخصوصية والحقوق الفردية، حتى أن بعض “المتشددين” الإسلاميين يخرجون في مظاهرات رافعين أعلام “داعش” بدون أن يتعرضوا للاعتقال كما يحصل في السويد وبريطانيا، هذه الميزات لسوء الحظ توفر للتنظيم المتطرف فرصًا كبيرة للتجنيد والتنقل والتصرف بحرية، الأمر الذي يجعل أوروبا الأكثر تعرضًا للتهديدات الإرهابية بشكل عام، وفي نفس الوقت فإن غياب هذه الميزات في دولة ما مثل إيران، يقلل من تعرضها للأخطار، ويزيد فرص اعتراض أي تهديدات.
سبب أخير يجعل إيران في مأمن من تهديدات داعش، يتبدى في أن الأدبيات الدينية للتنظيم المتطرف تدرج المعركة مع إيران (الشيعة) وإسرائيل (اليهود) في الحرب الكبرى، والتي لن تحدث إلى بعد إنهاء الحروب مع (المرتدين) ثم مع (الصليبيين)، وبذلك فالتوسع في المنطقة العربية يحتل أولوية بالنسبة لداعش أكثر من التوجه نحو إسرائيل وإيران، وإن كانت قريبة منهما جغرافيًّا.
من المحتمل أن هذه العوامل الأربعة قد ساهمت مجتمعة في تحييد خطر داعش عن إيران، أو على الأقل منعته أن يصل لأراضيها، بيد أن ثمة أسئلة ملتبسة ما زالت بدون جواب، فكيف يحارب تنظيم “داعش” ميليشيات إيران وحلفاءها بسوريا والعراق، وفي نفس الوقت يتجنب شن هجمات على الأراضي الإيرانية، أم أن التنظيم يريد ذلك لكنه لا يستطيع؟
هل فرق رصاص الارهابيين بين الابيض والاسود بين الغرب والشرق رصاصات الغدر لم ترحم الجميع ونيران احزمتهم الناسفه ليست لها اعين لتقرر من ستلتهمه ومن ستتركه هذا ما رأيناه من خلال قصص هؤلاء الابرياء الذين لقوا حتفهم جراء تلك الهجمات الغادره في باريس كانوا فنانين، وطلابًا، ومحبين للموسيقى، وآباء، وحديثي الزواج. إننا نتحدث عن ضحايا باريس، الذين قضوا في الهجمات الأخيرة التي ضربت المدينة، وهم قَدِمُوا من مختلف الاهتمامات والمناحي الحياتية، لم يريدوا بأي حال أن يحدثوا ضجيجًا لهذا العالم، ومقتطفات حياتهم تثبت ذلك، ولكنها الحرب التي تدور رحاها ببعض أجزاء الوطن العربي، وتُسمِع أصداؤها غير مُسمعٍ في أوروبا.
من بين المائة والثلاثين الذين قتلوا، جلبنا طرفًا من سير بعضهم:
عندما تجمع أصدقاء (فريدريك هينينو) في البنك المركزي الفرنسي ووقفوا دقيقة حداد على روح صديقهم، لم تكن تلك هي المرة الأولى خلال هذا العام التي يقف فيها العاملون بالبنك حدادًا على أحد زملائهم جرّاء هجمات إرهابية. فقد قُتل أحد أعضاء الجمعية العمومية للبنك، وهو رجل الاقتصاد والصحفي (بيرنار ماريس)، خلال الاعتداء الدامي على المجلة الأسبوعية الساخرة (شارلي إيبدو) في يناير الماضي.
ونشر الموقع الخاص باتحاد العاملين بالبنك المركزي الفرنسي بيانًا حول وفاة هينينو، قال فيه: “الإرهاب يضرب فرنسا ومؤسستنا للمرة الثانية ويدفعهما نحو الحداد”.
وقد قُتل هينينو، الذي كان يبلغ من العمر 45 عامًا، ويعمل بفرع البنك ببلدية )سيرجي( أحد ضواحي باريس، جراء الهجمة الإرهابية على مسرح باتكلان، حيث أصيبت صديقته واثنان من أصدقاء العمل، وفقًا لما ذكرته صفحة اتحاد العاملين بالبنك على موقع فيسبوك. كما ذكرت صحيفة لوباريسيان أن هينينو ترك خلفه طفلين.
___
كان (تيبو روس لاكوردير)، صاحب السبعة والثلاثين عامًا، موظفًا مصرفيًّا استثماريًّا وذا قلبٍ كبير. كان يعمل بالنهار في شركة لإدارة الأسهم بالعاصمة باريس، وبعد أن ينتهي من فترة عمله اليومية كان يشارك باعتباره متبرعًا بأحد أماكن تقديم الطعام والحساء بالمدينة. قُتل لاكوردير في الهجمة الإرهابية التي طالت مسرح باتكلان. لكن كانت سيرته الذاتية تحوي الكثير، بدءًا من دراسته بمدرسة كاثوليكية بإحدى ضواحي باريس، ومرورًا بدراسة الاقتصاديات والإدارة بجامعة باريس دوفين، كما حصل على درجة علمية عالية في التمويل من جامعة باريس فال دو مارن.
كان لاكوردير مراقبًا ماليًّا بفرع مؤسسة كولوني كابيتال بباريس، يختص بالعمل على صفقات المستثمرين وإجابة استفساراتهم، وذلك وفقًا لما ذُكر بملفه الشخصي على موقع (لينكد إن) الإلكتروني. أمّا عن أوقات فراغه، فكان يقضيها متبرعًا لأحد مطابخ تقديم الحساء والطعام للمحتاجين بالمدينة، ويجلس معهم في تواضع على المنضدة كأنهم عائلة واحدة، بالإضافة إلى مشاركتهم المحادثات التي كانوا يتحدثونها فيما بينهم. وقد ذكر في مناسبة خلال أحد المواد الفيلمية المعروضة بموقع المطبخ على شبكة الإنترنت، أنه ذهب في إجازة مع العديد من الأشخاص الذين قابلهم بالمطبخ.
___
لم تكن (آنلور إيريبو) و(سيسيل كيودون بيكيدو ديلايل) مجرد زميلتي عمل، بل كانت كلتاهما الصديقة الأقرب للأخرى.
وقد أحضرتهما تلك الصداقة وكذلك الأجواء المعتدلة غير الموسمية في هذا المساء، للجلوس بالجزء الخارجي لمقهى (رو دي تشارن)، واحتساء الشراب.
وقد قُتلتا سويًّا مثل الكثير من الباريسيين الذي قضوا في تلك الجمعة المرعبة، التي وافقت الثالث عشر من هذا الشهر. لم يستطعا الهروب من وابل الرصاص الذي أطلقه الإرهابيون واكتسح الرصيف.
عملت إيريبو، التي كانت تبلغ من العمر 36 عامًا، وبيكيدو ديلايل، التي تكبرها بعام واحد، مفتشتي جمارك بنفس المكتب.
ونشر الموقع الفرنسي الصحفي لاديبيش ما قاله أحد معارف إيريبو عن أنها كانت فتاة سعيدة وتحب الحياة، وكانت ترمي بنفسها في غمار وظيفتها. كما قال: “إن أسرتها تدمرت”.
وقد نشر اتحاد عمال الجمارك نعيًا للسيدتين على موقعه الإلكتروني في الجمعة التالية، والذي قال فيه: “لقد افتقدناهما”.
___
قالت صحيفة بريس أوسيون الفرنسية إن (جوليان جاليسن) كان رحالة يطوف العالم، وأضافت أنه عمل بوظائف غير اعتيادية من أجل ادخار أمواله، ثم الاستعداد وشد الرحال لزيارة أماكن مختلفة حول العالم.
كان جاليسن يبلغ من العمر 32 عامًا، ويعيش في نانت. كما كان مولعًا بالموسيقى ويعزف الساكسفون. وقد حضر العديد من الحفلات الموسيقية بما في ذلك حفل فريق (إيجلز أوف جولد ديث) الأمريكي، الذي استضافه مسرح باتكلان مساء جمعة الأحداث الدامية، عندما هاجم الإرهابيون المسرح.
وكان جاليسن في صحبة أحد أصدقائه، لكن صديقه هذا قد نجا من الموت.
أصدقاء جاليسن اعتادوا تسميته “الرجل ذو القبعة” وذلك لأنه دائمًا ما كان يرتدي قبعة ملونة حصل عليها هدية خلال إحدى سفراته إلى تايلاند.
___
شبّ (غيوم لو درامب) بين أصدقائه معتادًا على أن ينادونه باسم مستعار، وهو عبارة عن إعادة لترتيب أحرف اسمه الأصلي: (ميوغل ليبلمارديو)، وهي عبارة عن لعبة كلمات يمكنها أن تفسر طبيعة صاحب الشخصية: مهرج، ومحب للمزاح. فاتن وأينما حلَّ لا تجده كلًّا، بل يناسب تمامًا الدور الذي هُيأ له.
“فكاهي ولا يمكن مقارنته. ويعطينا لحظات لا تُنسى وضحكات مجنونة لا تُحصى”، بهذه الكلمات نعاه أصدقاء الطفولة (نيكولاس كوتشارد)، و(توماس ليبرزلا)، و(غيوم ليكيف) في مقالة وداع لصديقهم نُشرت على موقع هافينغتون بوست الفرنسي. كما ذكروا في مقالهم أيضًا أنه كان: “شخصًا حساسًا أيضًا، يتخفى خلف وجه المهرج، حتى أنه أحيانًا كان هشًّا. وكان مثقفًا وغنيًّا بالمراجع، ومتحدثًا بسرعة البرق… كان ميغويل المتلون كالحرباء حاضرًا في أي موقف”.
وكان لو درامب يبلغ من العمر 33 عامًا عندما قُتل بمقهى لابيل إيكويبي، حيث كان يحتفل مع عمال مطعم مجاور بعيد ميلاد أحد أصدقائه، وذلك وفقًا لما قال زملاؤه لصحيفة نيويورك تايمز، وكان الرجل يعمل في مطعم قريب من المكان اسمه (تشي جاناو)، وطلب من الإدارة الحصول على هذا اليوم إجازة من أجل التحضير للاحتفال.
وقد ذكر قسم اللغة الإيطالية بجامعة السوربون الجديدة في باريس، إن لو درامب الذي عاش سنوات عديدة في مدينة بارما الإيطالية، كان يدرس الماجستير في اللغة الإيطالية. حيث نعاه موقع القسم على الإنترنت قائلًا: “شخص نشيط ذو طلعة واسعة، وشخصية مرحة للغاية”.
وقالت أخته غير الشقيقة (أناي نيكولاي) لصحيفة نيويورك تايمز، إن أسرته عزته في مدينة شيربورغ الفرنسية المطلة على بحر المانش حيث مسقط رأسه، من خلال زيارة مسجد محلي بالمدينة.
وأضافت نيكولاي قائلة: “هذا ما كان سيرغب في القيام به إن كان على قيد الحياة. فإن غيوم كان كل ما يشغله أن يكون متفاهمًا لطبيعة الآخرين، وأن يستمتع بحياته، وأن يجمع الناس معًا. كان لا يكترث سوى بالمحبة”.
___
أمّا (ريتشارد رامانت)، فكان يبلغ من العمر 53 عامًا. يعشق موسيقى الروك وركوب الدراجات النارية وكذلك زوجته. وقد مات بجانبها عندما أراد حمايتها خلال الهجمة التي طالت مسرح باتكلان.
وصرح رئيس مهرجان البلوز كاهور، حيث شارك رامانت في المهرجان متطوعًا لسنوات عديدة، لوكالة الأسوشيتد برس إن الرجل قُتل عندما حاول الذود بجسده عن زوجته (ماري دو) التي نجت.
وقال روبرت موريس رئيس المهرجان: “رقد كلاهما على الأرض، لكنه رمى بجسده فوقها لكي يحميها، وفي هذه اللحظة لفت تحرك ريتشارد انتباه الإرهابي فأطلق الرصاص عليه. أما هي فقد نجت لأنها تظاهرت أنها ميتة”.
وأضاف موريس أن زوجة رامانت التي أُصيبت برصاصة في ساقها، روت له إنها رقدت تحت جسد زوجها للثلاث الساعات التي استمر خلالها الهجوم، وإنها خضعت لعملية جراحية ناجحة هذا الأسبوع، وستبقى في المستشفى لفترة.
وقال موريس إن رامانت اعتاد أن يحصل على إجازة لمدة أسبوع كل عام لكي يتبرع بمشاركته في إقامة المهرجان، حيث كان مسئولًا عن تنظيم الصوت والضوء.
وقد وصفه موريس قائلًا: “كان شخصًا استثنائيًّا. لطيف ومتعاون، ودائمًا في حالة مزاجية رائعة. إنه شخص رائع”.
عاش الزوجان في منطقة سيرجي بنتواز بباريس، وكان جانب من شخصية رامانت يبدو من هواة دراجات هارلي دافيدسون البخارية، فلحيته الكثّة والقرط الذي يرتديه وصلعته جعلت جانبًا منه يبدو كذلك. وأضاف موريس أن رامانت كان عضوًا بفريق عروض راكبي الدراجات البخارية المسمى (شوتايم رايدرز) بنادي هارلي دافيدسون.
وقد نعاه الفريق على موقعه الإلكتروني قائلًا: “أخونا ريتشارد.. حمى زوجته ودفع حياته ثمنًا لذلك، لقد فجعنا لما حدث”.
وقد ترك رامانت خلفه طفلين.
___
كان من المفترض أن تكون تلك الليلة مليئة بالشامبانيا ومظاهر الاحتفال الأخرى.
ولذا فقد حجز (تيري هاردوين) أفضل منضدة بمطعم لابيل إيكويبي من أجل الاحتفال بعيد ميلاد صديقته، لأنه أراد أن يسير كل شيء فيه على أكمل وجه. وبدلًا من ذلك، سقط المحبان أرضًا إثر طلقات النار بشارع دي شارون الموازي للمطعم، عندما هاجمت الخلية الإرهابية المطعم الباريسي.
عمل هاردوين، صاحب الواحد والأربعين عامًا، ضابطًا للشرطة ببلدية بوبيني لمدة 15 عامًا، حيث كان ضابطًا مخضرمًا، وفقًأ لما صرح به أصدقاؤه الشرطيون، الذين مررتهم الحسرة على وفاة زميلهم.
وأخبر الضابط (جون لوك دوبو) صحيفة لوباريسيان أنه كان يعرف هاردوين منذ أن كانا في أكاديمية الشرطة. وأضاف قائلًا: “كان زميلًا وصديقًا رائعًا. سنحتفظ دائمًا بصورة الرجل الذي أحب الحياة، فقد كان كان مرحًا ومتعاونًا ومحترفًا في مهنته. لقد أوجد روح الدعابة الجميلة بين قوات الشرطة”.
أما أرنو لوديك، صَفّ الضابط ببلدية بوبيني، فقال عنه إنه كان يحظى بقدر عالٍ من الاحترام بين الجميع.
وكان هاردوين يعرف باسمه المستعار (تيتي)، كما قال أحد أصدقؤه إنه كان محبًّا لآلة الجيتار، وتدخين السيجار، والسفر والرحلات. وقام زملاؤه بحملة لجمع الأموال اللازمة لتكاليف جنازته، وكذلك إيداع بعض المال من أجل مساعدة أبنائه الثلاثة على استكمال تعليمهم.
وأخبر منظم الحملة (رومين جومليت) التليفزيون الفرنسي إن الأموال لن تعيد صديقهم تيري إلى الحياة، وأنهم سيفتقدونه للأبد، لكن تلك الحملة ما هي إلا محاولة لمساعدة عائلة صديقهم الفقيد.
___
كان (فرانك بيشيت) يبدو ويكأنه ينتمي إلى عصر النهضة، فقد عمل مهندسًا كما شهد العديد من مشاريع التشييد. كان يهوى التزلج ولعبة تبادل الكرات بين اليدين وقيادة الدراجات البخارية والجري.
كما كان محبًّا للموسيقى، فقد كان يستمع إلى فريق (إيجلز أوف ديث ميتال) عندما هاجم الإرهابيون مسرح باتكلان.
رحل بيشيت وعمره 33 عامًا، وكان موظفًا بشركة إم سي سي إف، إحدى شركات مجموعة فينسي للتشييد. يخبرنا ملفه الشخصي على موقع (لينكد إن) أنه حصل على درجته العلمية في الهندسة المدنية من المدرسة المركزية للفنون والصناعات بباريس.
وقد أنهى دراسته الجامعية في المدرسة المركزية التي تقع بمدينة نانسي بشمال فرنسا عام 2006. ونشرت المدرسة نعيًا لأحد أبنائها على حسابها الرسمي بموقع تويتر من خلال تغريدة قالت فيها: “المدرسة المركزية بنانسي تعلن الحداد”.
ويحوي ملفه الشخصي على موقع (ليكد إن) قائمة من اهتمامات بيشيت، يتذيلها ويزينها اهتمامه بـ”الإنسانية”.
___
قضى أنطوان ماري معظم حياته منذ الطفولة في مدينة كاين شمال غربي فرنسا، لكنه انتقل إلى باريس قبل عامين، حيث عمل، صاحب الأربعة والثلاثين عامًا، مطورًا لتكنولوجيا المعلومات بشركة ميلكي للدعاية والإعلان بالعاصمة الفرنسية.
وكان ماري قد استقال لكي يعمل مستقلًا، وأنشأ موقعًا إلكترونيًّا من أجل زيادة فرصه العملية بالمجال. وكان ماري ضمن الحشد المتواجد بمسرح باتكلان، يحتفل مع صديق مقرب له يدعى (غيرماين فيري) ويبلغ من العمر 36 عامًا، وقد قُتل الصديقان معًا.
نشر صاحب الشركة التي عمل لها في الماضي تغريدة على موقع تويتر قال فيها: “نرثي اليوم فقدان أحد أفراد مجموعتنا. لن ننسى روحك المتحررة، وروح الدعابة المحببة لديك- لن ننساك يا أنطوان، ولترقد في سلام”.
واعتاد ماري التعبير عن حبه لموسيقى الروك والتكنو على مواقع التواصل الاجتماعي. أما في مسقط رأسه، فقد تسببت وفاته في صدمة وحزن للكثيرين. تقول (آن ماري ليتشات) من مدينة كاين: “نعيش حالة كبيرة من الحزن على هذا الشاب الصغير”.
___
لم يكن (هاياسينثي كوما) متأكدًا من رغبته في الذهاب إلى عيد ميلاد أحد أصدقائه في مقهى لا بيل إيكويبي، فقد أراد أن يذهب في صحبة امرأة إلى مكان آخر، إلا أن أصدقاءه أقنعوه بالذهاب إلى الاحتفال.
وأخبر (غريج ليما) أحد أصدقائه صحيفة الديلي ميل الإنجليزية قائلًا: “ذهب إلى هناك، وبعد ساعات قليلة كان في عداد الموتى”.
ترعرع كوما، صاحب الأصول البوركينية، في ضواحي باريس، فقد عاش في المدينة وعمل نادلًا بمطعم لا شيكس تايبس، وهو ملكًا لمالك مقهى لا بيل إيكويبي. وكان كوما قد غيّر صورته الشخصية على ملفه بموقع فيسبوك منذ يومين، ورفع صورة له مرتديًا سترة النادل والبابيون وممسكًا قداحة الطهي.
وكان كوما مشجعًا كبيرًا لفريق باريس سان جيرمان، وعاشقًا لنجم الفريق السويدي زلاتان إبراهيموفيتش، وذلك وفقًا لما ذكره موقع مشجعي الفريق CulturePSG، الذي حث المشجعين على جمع الأموال من أجل المساهمة في إقامة عزائه.
وكتب الموقع نعيًا له قائلًا: “هاياسينثي كان مثلنا جميعًا، يحب الحياة، ويحب فريق باريس سان جيرمان”.
___
حمل (فيكتور ميونيوز) الكثير في جعبة أعوام عمره الخمسة والعشرين، فقد استطاع وهو ابن الثالثة عشر عامًا إنشاء موقع إلكتروني خاص به، كرّسه من أجل الشعر الذي كان يعشقه.
ميلاده في برشلونة جعله متحدثًا للعديد من اللغات، وقد حصل على درجة الماجستير من مدرسة باريس للأعمال، كما قضى عامًا للدراسة والعمل في جمهورية التشيك. وكان قد أنهى منذ فترة قصيرة دراسته، كما كان مُوشكًا على بدء فترة تدريبة، لذا فكان ثمة بعض التحضيرات للاحتفال لهذا الأمر.
كان ميونيوز يستمتع باحتساء قدحًا من النبيذ مع أصدقائه بمطعم ومقهى لا بيل إيكويبي عندما باغتته رصاصة أسقطته أرضًا.
وكانت أمه (دومينيك كايليموز) كتبت تغريدة من شدة الكرب الذي شعرت به، قبل ساعات من تحري الأمر، قالت فيها: “ليس هناك أي أخبار عن فيكتور ميونيوز الذي جرح في لا بيل إيكويبي. أما تزال المستشفى غير معروفة؟ من يمكنه المساعدة؟”.
ساعات قليلة حتى تأكدت مخاوفها. فقدت الأم أصغر أبنائها إلى الأبد.
___
كانت (إيزابيل ميرلين)، صاحبة الأربعة والأربعين عامًا، تكرس كل حياتها بشدة من أجل أسرتها، لذا فقد أدركوا أن ثمة أمر مروع منعها من الرد على رسائلهم النصية والصوتية.
مهندسة ومديرة أحد المشروعات التابعة لشركة كونتنينتال للسيارات بمدينة رامبوييه التي يستغرق الوصول إليها ساعة ونصف قيادة جنوب غرب باريس، كانت عزباء. وقال عنها أصدقاؤها وأقاربها إنها كانت مليئة بالمرح والرغبة في الحياة.
أحدهم قال عنها: “إنها كانت نشيطة فوق العادة”.
شغفها بالموسيقى هو ما دفعها إلى التواجد بمسرح باتكلان، فقد حصلت على دورة في الغناء بباريس. وكانت ميرلين قد ابتاعت شقة بمنطقة مونبارناس الأكثر جاذبية بمدينة باريس، واجتمعت عائلتها قبل ثلاثة أسابيع في الأول من نوفمبر للاحتفال معها بإجازة عيد جميع القديسين.
نظم (مورغان دريس)، معلم الموسيقى الذي كان يُدرس لميرلين، حفلًا لموسيقى الروك إحياءً لذكراها بأحد المقاهي بوسط باريس، وذلك بعد أسبوع من هجمات الثالث عشر من نوفمبر.
وأخبر دريس صحيفة لوباريسيان قائلًا: “كانت لديها شخصية مشرقة”.
___
بدأ (ديفيد بيرتشيرن) حياته المهنية بالعمل في الصحافة، لكنه غير مسلكه الوظيفي ليلبي النداء الحقيقي ويعمل بمجال التعليم.
وعمل بيرتشيرن صاحب الواحد والأربعين عامًا بمدرستين في منطقة سين سان دوني شرق باريس، وقُتل الرجل خلال الحفل الغنائي الذي أقيم بمسرح باتكلان.
أخبرت مرافقته (كلير بالتيير) صحيفة ويست فرانس أن بيرتشيرن كان مولعًا بموسيقى الروك، وكان محبًا لركوب الدراجات والشراب.
وأضافت بالتيير قائلة: “كان يذهب إلى كل الأماكن بالدراجة، بما في ذلك مكان عمله”.
وقال أحد أصدقائه ويدعى (صامويل هينيكن) مازحًا، إن بيرتشيرن كان دائم التأنق. يضيف هينيكن: “ديفيد كان يحب أن يرتدي ملابسًا جيدة، وكان لديه ولع بقمصان البولو، والجينز الياباني”.
كان بيرتشيرن أبًا لاثنين، وكان من المفترض أن يحتفل بعيد ميلاده الثاني والأربعين في الثامن من ديسمبر القادم.
___
كان (فينسينت دوتوك) مهندسًا معماريًّا يعيش في إحدى ضواحي باريس مع زوجته وطفليه، لكنه قُتل في قاعة مسرح باتكلان، ولم تعرف عائلته خبر وفاته إلا في اليوم التالي للحادث.
ووصفت زوجته مونيكا لصحيفة لو باريسيان المأساة التي خبروها عندما استدعتهم السلطات لمقابلتهم.
تقول مونيكا: “منذ تلك اللحظة عرفت كل شيء. لقد فهمت أننا لن نُستدعى من أجل إخبارنا بأمرٍ سار”.
انتظرت مونيكا بالمكان، حيث كانت السلطات قد شرعت في استدعاء أقارب الضحايا واحدًا تلو الآخر.
تضيف الزوجة قائلة: “كنا نسمع صراخًا كلما مرت دقيقتان. وعندما حان دورنا، أحضرونا إلى منضدة كبيرة، وصاح المأمور بعبارة مقتضبة قائلًا: (نُعلمكم أن السيد دوتوك قضى في الهجوم الإرهابي)، ولم ينطق بشيء آخر”.
وعبر (فينسينت جونبرن) عمدة بلدية لاي لي روز مسقط رأس ديتوك عن تعازيه للفقيد، وذلك على صفحته على موقع الفيسبوك قائلًا: “لقد فقد حياته تحت رصاصات الهمجية”.
___
كانت (سيسيل ميس) تشعر أنها ببيتها، أو كما يقال في الفرنسية “تشعر بالرضا والراحة عندما تكون في لون بشرتها الطبيعي”، تعبيرًا عن ارتياحها لتواجدها بمكان مثل مسرح باتكلان.
وكانت صاحبة الاثنين والثلاثين عامًا، مسئولة عن مسرح جان فيلان الذي يقع ببلدية سوران في إحدى ضواحي باريس على الجانب الآخر من نهر السين. يقول أصدقاؤها وزملاؤها بالعمل إنها كانت مفتونة بالموسيقى والفنون المسرحية منذ أن كانت في السادسة من عمرها، وكان العمل في هذا المجال بمثابة حلم بالنسبة لها.
ونشر مسرحها نعيًا على موقعه الخاص قال فيه: “ستبقى بالنسبة إلينا مثالًا رائعًا للإخلاص والالتزام والحماس والمهنية”.
وأضاف نص النعي: “يصفها الأشخاص الذين عملوا معها على حساباتهم الشخصية بكلمات بليغة، يقولون فيها: كانت دائمًا مبتسمة ومستعدة لأي مهمة، كما أنها كانت إيجابية دومًا وأيضًا كريمة- بالتأكيد كانت شخصية مشرقة”.
___
أحيت (تاتيانا) الأخت الصغرى لـ(برسيليا كورييا)، التي كانت تبلغ من العمر 35 عامًا، ذكرى أختها من خلال وصفها بأنها كانت شخصًا لديه العديد من مجالات الإبداع والشغف، مثل الموسيقى، واللغات، والطبخ، والصناعات اليدوية، والتزلج على الجليد.
وقالت أختها في بريد إلكتروني أرسلته إلى أسوشيتيد برس: “كانت تحب موسيقى الروك، ودائمًا ما كانت تذهب إلى الحفلات. وكانت دائمة الابتسام ولديها العديد من الأصدقاء. كما كانت تحب التنزه”.
وكانت كورييا بالخارج في الليلة التي اقتحم فيها مسلحون مسرح باتكلان، وقتلوا 89 شخصًا.
وأضافت تاتيانا قائلة: “كانت تحب السفر، واكتشاف ثقافات جديدة وتعلم اللغات”. وتعد صفحتها على موقع فيسبوك خير دليل على ذلك الوصف، فلديها كثير من الصور للشواطئ والبحر المفتوح والكباري والغروب في أوروبا وخارج أوروبا. وكانت أفضل جملة مقتبسة لبرسيليا هي: “الحقيقة مؤلمة، لكن الصمت يقتل”.
كانت برسيليا تتحدث الإنجليزية والإسبانية بالإضافة إلى الفرنسية والبرتغالية.
وولدت برسيليا في ضاحية باريس، وكانت تحمل الجنسية البرتغالية والفرنسية. كما كانت تعشق البرتغال، وكثيرًا ما زارت أصدقاءها الكثيرين في لشبونة.
يقول ملفها الشخصي على موقع (لينكد إن)، إنها كانت موظفة بسلسلة محلات (فناك) للتجزئة.
___
كان (كريستوفر نويت شالتر) أحد الضحايا الذين سقطوا بمسرح باتكلان، وقد ترك خلفه فتاة في الحادية عشر من عمرها، والتي كانت بمثابة النور الذي يحيا به.
كانت رفيقته (كاثرين) تبكيه حينما أخبرت صحيفة لو باريسيان قائلة: “في أي لحظة ينطق فيها أحدهم اسم ابنته، كانت عيناه الزرقاوان تبرق”.
أضافت قائلة إنهما كانا لا ينفصلان.
تقول عنه كاثرين: “لقد كان بمثابة الملاك الذي هبط إلي من السماء منذ 14 عامًا. كان رقيق الحاشية وطيب القلب ومشرقًا، وكان دائمًا بجوار أبويه والأشخاص المقربين منه”.
وكان نويت شالتر صاحب التسعة والثلاثين عامًا يعمل مستشارًا للتسويق الرقمي بشركة إم تي آي، التي تتتخذ باريس مقرًا لها. وقد ذهب إلى حفل فريق (إيجلز أوف ديث ميتال) بمسرح باتكلان مع صديق لا يعرفونه ولا يعرفون مصيره بعد الحادث.
___
كان (كوينتن موريير) ذو التسعة والعشرين عامًا، مهندسًا معماريًّا من شمال شرق باريس، وكان يشارك في محاولة لبدء استزراع طعام محلي طازج.
وذكت صحيفة (لالزاس) أن موريير كان نشطًا في منظمة تدعى (فيرجي أوربان)، التي تشجع على زراعة الأطعمة في المناطق المزدحمة بالسكان. وقد نعت صفحة المنظمة مويير قائلة: “كان مليئًا بالطاقة، ومبادرًا وملتزمًا… فقد أسهم في كثير من الأمور من أجل المؤسسة، ومن أجل المشروع ككل. سنفتقده للغاية”.
كان مويير في حفل موسيقى الروك بمسرح باتكلان مع أصدقائه. وتقول صحيفة لازلاس إنه الوحيد من بين أصدقائه الذي لم يستطع الهروب.
وكان مويير يدرس الدكتوراه بالمدرسة الوطنية العليا للهندسة بجامعة فرساي. وقد كرست الجامعة دقيقة حداد على روحه مطلع الأسبوع الماضي.
ووصفت المدرسة العليا مويير على موقعها الإلكتروني بأنه حصيف ومثابر ولديه روح حرة.
وقالت المدرسة العليا في بيانها: “معمل الأبحاث بالمدرسة الوطنية العليا للهندسة المدنية بجامعة فرساي فقد أحد باحثيه الشباب الواعدين المرشحين للحصول على درجة الدكتواره. نشاطر عائلته في أحزانها على الفقيد.
___
كانت (تشارلوت ميود) و(إيميلي ميود) توأمين، ولدتا سويًّا منذ ثلاثين عامًا وتوفيتا سويًّا أيضًا خلال جلستهما بمقهى لو كاريليون بباريس، وهو أحد المطاعم التي استهدفها المسلحون هذا الشهر، وفقًا لما نقلته صحيفة (لو بوبلير) الفرنسية.
عاشت التوأمان ميود سنواتهما الأولى ببلدية (إكسيسور فيين) في وسط فرنسا. وكانتا قريبتين للغاية ومن الصعب التفريق بينهما، وفقًا لما نقلته الصحيفة الفرنسية. وقد تجمع مئات الأشخاص بالمدينة الصغيرة بعد الهجمات من أجل الوقوف دقيقة حداد من أجلهما.
استطاعت كلتاهما خلال السنوات الأخيرة أن تحظيا بوظيفتين ناجحتين بالعاصمة الفرنسية. كانت إيميلي مهندسة معمارية بوكالة شارتييه داليكس، وقد أقرت الوكالة خبر الوفاة على صفحتها على موقع فيسبوك. ونعت المدرسة التي درست فيها إيميلي بجامعة دلفت للتكنولوجيا بهولندا وفاة المرأة الصغيرة على صفحتها بموقع فيسبوك.
أما تشارلوت فقد عملت بـ”مبادرة سينتيبولي”، وهي شركة تعمل بمساعدة أصحاب الابتكارات الواعدين. وقالت المبادرة في تغريدة على موقع تويتر: “سنتذكر حبها للحياة”. ويقول الملف الشخصي لتشارلوت على موقع (لينكد إن) إنها درست بجامعة ستراسبورغ، وأيضًا بجامعة كلود برنار في ليون. ترجمة محمد عبد المجيد بريك مترجم عنStories of those who died in the Paris attacksللكاتب WILLIAM J. KOLE, JEFF DONN, and GOSIA WOZNIACKA
ي عالمنا الصناعة الشريفة للثروة أمرٌ شديد الصعوبة؛ أن تبدأ عصاميًّا من الصفر لتبني إمبراطوريتك المالية بنزاهة وشرف، هذا المُستحيل الذي لم يحققه على مرّ التاريخ البشري سوى قلّة في كل عصر وزمان. على سبيل المثال في الوقت الحالي، ومن بين نحو 7 مليارات نسمة هُم عدد سُكان العالم، يوجد فقط 1645 عضوًا في نادي المليار دولار (وفقًا لقائمة فوربس الأخيرة)، ثلثهم ورثوا ثروتهم عن آبائهم، والباقي يُشار إليهم كعصاميين بدؤوا من الصّفر أو أعلى قليلًا.
وبالإضافة إلى صعوبة تكوين الثروة، ثمّة عقبة أخرى تتعلق بالحفاظ على الثروة وإدارتها بكفاءة تُحقق استمراريتها وتضخمها، تلك العقبة مثلًا أودت بالعديد خارج نادي الأثرياء لفشلهم في الإدارة السليمة، أو لاكتشاف احتيالهم! نعم، صعوبة تكوين الثروة دفعت عددًا لا بأس به للجوء إلى الاحتيال المالي للدخول السريع في عالم الثراء. إنّه الإرهاب المالي؛ جميعنا يعرف ما هو الإرهاب الأمني المُتعلّق بالترويع والقتل، لكننا هُنا نلقي الضوء على نوع آخر من الإرهاب – ذاك المتعلق بالجريمة المالية مُباشرةً- مع عرض لأقدم وأغرب عمليات الاحتيال المالي في التاريخ البشري.
أولًا، اشرح لي ما هو الاحتيال المالي؟
الاحتيال هو استخدام الخداع لتحقيق منفعةٍ دون وجه حق.
والاحتيال يتضمن تضليل أشخاص أو مؤسسات، ولكن قد يقول قائل، إن هذا التعريف واسع يعتمد على مصطلحات غير محددة، وربما تشمل عمليات في إطار القانون لكنّها تعود بالضرر على أشخاص آخرين، وهذا قول صحيح وينطبق أيضًا على الاحتيال المالي، فمن الممكن جدًّا أن يلجأ المُحتال إلى ثغرات القانون لتنفيذ احتياله، وهذه الطريقة ربما تحميه من المساءلة القانونية لفترة، حتى تتضخم ثروته بصورة مقلقة توقعه في النهاية تحت طائلة المساءلة القانونية.
الاحتيال المالي – كما ذكرنا- على نفس المنوال، إنه خداع مقصود ينطوي على معاملات مالية بغرض تحقيق مكسب شخصي دون وجه حقّ (يُحدده القانون وفقًا للظرف). وبالجملة فإن الاحتيال المالي هو جريمة يُعاقب عليها القانون المدني، مهما كانت تعقيدات عملية الاحتيال، فغالبًا مظاهره تكشف أنه احتيال، والتي من بينها الثراء السريع غير المتناسب مع الدخل القانوني. ومن هنا تحديدًا اشتهرت عمليات الاحتيال المالي بين من يُسمّون بأصحاب الياقات البيضاء (موظفو الأعمال المكتبية الذين يتقاضون أجورهم على أساس شهري، وهم في مُقابل أصحاب الياقات الزرقاء وهم العُمّال اليدويون الذين يتقاضون رواتبهم بالساعة أو باليوم)، بل أصبح هناك مُصطلح ذائع الصيت يُعرف بـ”جريمة أصحاب الياقات البيضاء – White-Collar Crime” وهو للإشارة إلى الجرائم المتورط فيها هذا النوع من الموظفين.
وكما هيَ العادة، تطوّر الاحتيال المالي على مرّ التاريخ وأخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا وملاءمة لطبيعة العصر، وأيضًا بحسب طموحات المُحتال وتخصصاته. وإجمالًا، يُمكن القول إن أي جريمة تنطوي على مُعاملات مالية تدخل ضمن تعريف الجريمة المالية أو الاحتيال المالي.
والآن إلى بعض أشهر وأغرب عمليات الاحتيال المالي في التاريخ قديمه وحديثه:
أقدم عملية احتيال في التاريخ
كما ذكرنا، “أصحاب الياقات البيضاء” تعبير ارتبط بالجريمة المالية الحديثة، لكنّهم لم يكونوا الأوائل. التأريخات كُلّها تُشير إلى عام 350 قبل الميلاد في اليونان، حيث استغل زوجان الظروف شديدة الخطر التي تُحيق بمهنة نقل الشحنات بحريًّا.
دبّر “هيجيستراتوس” وزوجته “كسينوسيميث” خُطّة محكمة لعمليتهم المبنية على استغلال ظروف الشحن البحري الخطرة، حيث كان الناقلون يحصلون على أموال الشّحن في كل الأحوال حتى لو غرقت الحمولة، وذلك كتأمين مُقابل مخاطر المهنة. استغل الزوجان ذلك ووضعا الخُطّة: الخروج بسفينة فارغة عبر البحر إلى أثينا، ثُمّ إغراقها في عرض البحر وركوب قارب نجاة يتجهان به إلى أثينا ويحصلان على أموالهم من التجّار، وقبل ذلك نثر بعض الذرة على سطح المياه كدليل على أن السفينة كانت محمّلة بالبضاعة المطلوبة.
لكن وللأسف عليهما، باءت خُطتهما بالفشل لأسباب خارجة عن إرادة الإنسان، فخلال محاولتهما إغراق السفينة هبّت الرياح عليهما، انتاب الذعر الزوج فقفز إلى البحر ليلقى حتفه، فيما استمرت الزوجة على متن السفينة وقادتها إلى الميناء في أثينا، هناك كان التُجّار في انتظارهم ليتفاجؤوا أن السفينة لا تحمل شحنة الذرة التي سيدفعون ثمنها! لتُسجّل تلك الحادثة كأوّل محاولة احتيال مالي.
عندما بيعت الإمبراطورية الرومانية في المزاد!
شهدت الإمبراطورية الرومانية عام 193 ميلاديًّا تعاقب نحو خمسة أباطرة على كرسي الحكم (عام الأباطرة الخمسة)، في حادثة نادرة من نوعها. افتُتِحَ العام بـ”بيرتيناكس” الذي توّلى الحكم لثلاثة أشهر فقط، قبل أن ينقلب عليه الحرس الإمبراطوري (وهي فرقة خاصة من الجيش، مُفترض أنها تدين بالولاء مباشرة إلى الإمبراطور!).
الطريف، وبيت القصيد في نفس الوقت، أن الحرس الإمبراطوري، وبعد أن قتل بيرتيناكس، عرض كُرسيّ الحُكم في مُقابل من يدفع أكثر. الصادم أنّ الأمر كان مُعلنًا، حتّى أن مؤرخي تلك الحقبة تحدثوا عن أنّ جنود الحرس الإمبراطوري أرسلوا في المدن رُسلًا يصيحون في الناس بأن “الإمبراطورية الرومانية في مزاد، ومن يدفع أكثر يتولى حُكمها“!
بالطبع الإمبراطورية الرومانية لم تكن ملكًا للحرس الإمبراطوري أو لغيره، لذا عُدّت طريقتهم تلك من باب الاحتيال؛ لقد قتلوا إمبراطورًا، وها هم يبيعون الإمبراطورية مُقابل المال! وبالفعل تقدّم “ديديوس يوليانوس” بدفع 250 قطعةٍ ذهبية لكل جندي في الحرس الإمبراطوري، وهو ما يُساوي الآن حوالي مليار دولار لكل جُندي!
عملة رومانية تحمل صورة يوليانوس
احتيال الحرس الإمبراطوري جرّ البلاد إلى فتنة شديدة، إذ تمردت باقي فرق الجيش بسبب عدم حصولها على شيء من المال. وأعلنت كل فرقة قائدها قيصرًا/ إمبراطورًا. في النهاية لم يستمر يوليانوس في الحكم أكثر من شهرين، إذ ذهب المجلس الروماني إلى اتهامه بالخيانة، وحُكِمَ عليه بالإعدام على خلفية طريقة وصوله للحكم.
أراد تحقيق الرخاء، فباع الوهم!
إنّه الاقتصادي الإسكتلندي جون لو (توفي عام 1729)، الذي كوّن ثروته بالأساس عن طريق الخداع في لعبة القُمار. احتال مستخدمًا مظلّة القانون، لكنّ ظل احتياله أخلاقيًّا، إذ كان يُجري عمليات حسابية في عقله تُمكّنه من حساب أوراق اللعب ومن ثمّ الفوز بالمقامرات.
ساعدته ثروته تلك على اشتهاره كواحد من أهم الاقتصاديين في أوروبا في القرن الثامن عشر، حتّى أن فرنسا وقتها عيّنت جون لو مراقبًا عامًا للمالية، وذلك بُغية الخروج من الأزمة التي ضربت البلاد على خلفية الحروب التي خاضها لويس الرابع عشر، والتي استنزفت اقتصاد فرنسا.
جون لو كوّن ثروته بالمقامرة
وضع “لو” خُطّة لدفق المال في الخزينة الفرنسية، إلا أنّها كانت قائمة على بيع الوهم! أنشأ جون لو شركة لاستخراج الذهب من ولاية لويزيانا في أمريكا، وكانت وقتها خاضعة للسيطرة الفرنسية. أطلق عليها اسم “شركة مسيسيبي” وفتح اكتتابًا عامًا على أسهمها، بمعنى أنّه فتح باب الاستثمار في الشركة بشراء أسهمها، وبالفعل تقدّم النّاس للشراء، لكنّ كانت ثمّة مشكلة واحدة، وهي أنّ ولاية لويزيانا لا يوجد فيها ذهب، في الحقيقة لم يكن يوجد فيها سوى المستنقعات، ولم يُكلّف أحد نفسه (من المستثمرين أموالهم في الشركة) ليبحث عن حقيقة ادعاء الكشف عن الذهب في منطقة يفصل بين المستثمرين وبينها المحيط الأطلنطي.
كان جون لو يدفع الفائدة لكل مستثمر من أموال مستثمر آخر، وهكذا دواليك. في النهاية اكتشف بعض المستثمرين حقيقة الأمر، أنّ الشركة وهمية. فبدؤوا في بيع أسهمهم بأسعار متدنية، وفي النهاية خسر الجميع، وهرب جون لو من فرنسا متنكرًا في هيئة متسول، ليعيش بعد ذلك تسع سنوات في فقر مدقع.
الرجل الذي باع بُرج إيفل مرّتين!
عمومًا، فإن فيكتور لوستج (توفي عام 1947) هو مُحتال من الطراز الرفيع، يكفي أن تعرف عنه الجهد الذي بذله على نفسه للوصول إلى ما وصل إليه في عالم الجريمة المالية. كان لوستج يتقن 5 لغات، واستطاع أن يغيّر شخصيته واسمه 45 مرّة، لينفذ بها احتيالات مُتعددة. وبالجملة، فإنّ فيكتور لوستج من الشخصيات التي كرّست حياتها للاحتيال، إذ لم يُمارس في حياته عملًا جادًا شريفًا.
فيكتور لوستج في الوسط (biography)
وكانت أشهر وأغرب احتيالات فيكتور لوستج، بيعه برج إيفل ليس لمرة واحدة، بل مرّتين! ما حدث أنّه بعد خروج فرنسا من الحرب العالمية الأولى، كان اقتصادها يُعاني الأمرّين، وفي المُقابل احتاج بُرج إيفل للصيانة والترميم بعد انتشار الصدأ فيه، الأمر الذي كان صعبًا على السلطات الفرنسية أن تقوم به في ذلك الوقت لارتفاع كلفته. وعلى جانب آخر كان سُكّان باريس مستائين من هيئة البرج الذي أضحى كومة قبيحة من الحديد.
لكن لفيكتور رأي آخر.. رأي صنع منه أسطورةً في عالم الاحتيال والجريمة المالية. لقد استأجر غرفةً في فندق كبير، وأرسل بدعوات على أوراق حكومية مزورة، إلى عدد من كبار رجال الأعمال الذين حضروا على غير علم بسر الاجتماع. قدّم فيكتور نفسه كمسؤول بارز في الحكومة الفرنسية، وعرض على رجال الأعمال شراء بُرج إيفل من الحكومة والاستفادة به وبالأرض المبنيّ عليها، مشددًا على ضرورة إبقاء الأمر سرًّا! وبالفعل نجح فيكتور في إقناع أحدهم بشراء برج إيفيل مُقابل نحو 70 ألف دولار، أخذهم فيكتور وفرّ هاربًا إلى فيينا.
التاجر الذي وقع ضحيّة فيكتور شعر بالحرج الشديد للدرجة التي جعلته يؤثر الصمت على الحديث، لكنّ صمته دفع فيكتور لتكرار الأمر بنفس الطريقة مع عدد آخر من رجال الأعمال لكن هذه المرّة بقيمة بيع أعلى. استطاع أسطورة الاحتيال أن يبيع برج إيفيل في المرة الثانية بـ200 ألف دولار، والفرار هربًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. لكن هذه المرّة افتضح أمره حيث إن الرّجل أبلغ عنه.
ربما يكون تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) هو من قام بشن هجمات في العاصمة الفرنسية باريس، خلفت 130 قتيلًا الأسبوع الماضي، ولكن فلاديمير بوتين هو الذي خرج منتصرًا في أعقاب تلك الهجمات. «لقد حان الوقت بالنسبة للغرب لوقف انتقاد موسكو وتشكيل ائتلاف مشترك»، هكذا غرد بوتين على تويتر. وجاء بعده مباشرة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي أعلن أنه «غير مقبول على الاطلاق» المطالبة بالإطاحة ببشار الأسد كشرط مسبق لمكافحة تنظيم الدولة.
وضعت هجمات باريس سياسة الغرب الخارجية موضع تساؤل، بينما كانت المشكلة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر في أنه لم يكن لدى الغرب استراتيجية لمكافحة الإرهاب، فإن المشكلة التي خلفتها هجمات الثالث عشر من نوفمبر، هي أن استراتيجية الغرب لا تبدو ناجحة.
إعادة ضبط الاستراتيجية سيكون مهمة صعبة، خصوصًا بالنظر إلى ما تبدو عليه الطبيعة العبثية للحرب على الإرهاب، فيما يلي، ومن دون الأخذ في الاعتبار مسألة الترتيب، خمسة أسئلة يتعين على الغرب أن يسألها لنفسه. بعضها هامشي، في حين يتسلل البعض الآخر إلى قلب السياسة الخارجية للغرب، ولكنها جزء لا يتجزأ من مكافحة الإرهاب الذي يشكله تنظيم الدولة.
1. هل يمكن تحويل تفكيرنا بشأن الشرق الأوسط من الحرب الباردة إلى الحرب على الإرهاب؟
تعتبر الولايات المتحدة منذ فترة طويلة المملكة العربية السعودية حليفًا، وذلك بفضل المصالح النفطية المتبادلة ومعارضة الاتحاد السوفييتي، في حين ينظر إلى إيران كخصم مؤذ. الآن، انتهت الحرب الباردة، وانهار الاتحاد السوفييتي، ومع ذلك، ما زال التنافس السعودي الإيراني يلوح بشكل كبير، بل ويؤكده الانقسام الديني بين السنة والشيعة. وتشير وثائق ويكيليكس إلى أن السعودية تسعى إلى تقويض منافستها إيران، وترى الدول السنية حربها على اليمن محاولة لإحباط التوسع الإيراني.
الحرب على الإرهاب يجب أن تعيد صياغة هذه المنظومة، فإيران ما يزال يكتنف مواقفها الكثير من الأخطاء، ولكن الجهات المانحة في المملكة العربية السعودية هي بعض من المؤسسات الأكثر ربحًا من الإرهاب السني في العالم، ولم تفعل المملكة لوقفه سوى القليل.
بدلًا من اتخاذ موقف في حرب ما بعد الحرب الباردة هذه، حان الوقت لإعادة النظر في ركيزتي نهج ريتشارد نيكسون والضغط على البلدين أن يكونا أعمدة للاستقرار الإقليمي. بدأ الرئيس أوباما هذه العملية بتوقيع اتفاق نووي مع إيران. هل يمكن أن نستمر في ذلك؟ وهل يمكن للمملكة العربية السعودية وإيران، اللتان دمجتا الإسلام الراديكالي في أنظمتهما، أن يتخذا مواقف أكثر جدية بشأن وقف الإرهاب؟
2. هل تستطيع أوروبا دمج مواطنيها المسلمين الكُثر بنجاح؟
تبدو التحذيرات بشأن اللاجئين السوريين في الولايات المتحدة في غير محلها، وكذلك في أوروبا. منذ عام 1990، ازدادت نسبة الأوروبيين الذين يعتنقون الإسلام من 4% إلى 6%. هذا النمو مرئي ولا سيما في فرنسا، التي يمثل المسلمون بها 7.5%، وربما تصل هذه النسبة إلى 15% في العاصمة باريس.
العديد من الجيل الثاني من الشباب الفرنسيين المسلمين يعيشون في الأحياء المعزولة، ويفتقرون إلى فرص عمل مستقرة، ولا يمكن أن يضمنوا موطئ قدم في الاقتصاد الفرنسي. بحثًا عن الأجوبة، تحول البعض للإسلام الراديكالي. وجد استطلاع واحد العام الماضي أن 16% من الفرنسيين -27% منهم تتراوح أعمارهم بين 18-24- يدعمون داعش.
كان أربعة على الأقل من سبعة مهاجمين في باريس من المواطنين الفرنسيين. كيف تمنع أوروبا تنظيم الدولة من تجنيد العملاء الذين يعيشون على أرضها؟ وكيف تقدِّم فرنسا الشبان المسلمين بديلًا للكراهية؟
3. ما مدى تقبُّلنا لمحور روسيا-إيران-الأسد في العراق وسوريا؟
نعود الآن إلى روسيا، من الواضح أنَّ لدى الغرب قائمة من الشكاوى ضد السيد بوتين (أوكرانيا، التحديات الداخلية المختلفة في روسيا، بما في ذلك ملف حقوق الإنسان)، ولكنه لن يترك الشام قريبًا. أي طريقة للتعامل مع تنظيم الدولة يجب أن تتم بالتنسيق مع الطرف الروسي.
هذا السؤال يبدو أصعب عندما تنظر إلى جزار دمشق، لقد ذبح بشار الأسد الآلاف، ومع ذلك قد أصبح واضحًا أن الجهاديين سوف يكونوا أكثر قوة كلما تراجع نظامه، أطاحت الولايات المتحدة بصدام حسين ومعمر القذافي، وبالقيام بذلك ساعدت على إبادة النظام القديم في شريحة واسعة من الشرق الأوسط.
تنظيم داعش الآن يبدو منافسًا ذا وزن ثقيل للنظام الجديد، هل الغرب حقًا على استعداد لإضعاف دكتاتور آخر والجهاديون يتربصون في الخارج؟ هل يمكن أن يتسامح الغرب بالعمل مع بوتين والأسد؟ أو يمكن أن يجد أرضية وسطًا، ربما واحدة حيث تعمل القوى الغربية مع روسيا ضد داعش والضغط للاتفاق على مرحلة انتقالية مع الأسد؟
4. هل سيمضي الغرب في النهاية بعيدًا عن الحرب في اليمن؟
عرض حلفاء أمريكا السنيون في البداية تضامنهم ضد داعش، أطلقت الدول الخليجية ومنها المملكة العربية السعودية طائراتها الحربية دعمًا للتحالف الدولي ضد داعش، ومن ثم انطلقت بعيدًا من أجل حربها في اليمن.
الانحراف المفاجئ لطائرات حلفاء الولايات المتحدة في حربها ضد داعش لشن حرب ضد الحوثيين جعل أمريكا تبدو على نحو متزايد وكأنها تشن حربًا من طرف واحد. اعتبارًا من 7 نوفمبر، لم يقصف السعوديون داعش في سوريا منذ سبتمبر، وكذلك لم يفعل الأردنيون منذ أغسطس.
تمول الولايات المتحدة هذه الحرب من خلال توفير المعدات والخدمات اللوجستية لتلك الأطراف التي تهاجم اليمن. لطالما كانت تلك الحرب الدموية فكرة سيئة. متى سنسحب دعمنا وندفع حلفاءنا السنة نحو معركة حقيقية؟
5. ماذا سيحدث في اليوم التالي للقضاء على داعش؟
اعتقد الغرب من قبل أنه قد دمر تنظيم الدولة، عندما كان يسمى تنظيم القاعدة في العراق. ومع ذلك، عاد التنظيم من جديد، مدعومًا بالسنة الذين شعروا بالاضطهاد في ظل الحكم الطائفي لنوري المالكي. يمكن للغرب أن يُدمِّر خلافة داعش للسنوات الـ20 المقبلة، ولن يفعل هذا أي شيء لمنع الشباب السني الفقير، والغاضب والمعزول من التحول إلى التطرف. هذا واضح بشكل خاص مع تنظيم جبهة النصرة التابع لتنظيم القاعدة في سوريا، والذي أظهر دهاءً ملحوظًا في مناشدة السنة الساخطين.
للقضاء على مستقبل تنظيم الدولة، ستكون حكومات الشرق الأوسط بحاجة إلى ضمان أن السنة، ولا سيما في العراق وسوريا، لديهم سبب للابتعاد عن التطرف والعودة إلى مؤسساتهم المدنية. هل يمكن أن يحدث ذلك؟ وهل يمكن أن تساعد الولايات المتحدة في مسايرة ذلك في الأمد البعيد ؟
لم تختلف كثيرا نتائج المرحله الثانيه للانتخابات البرلمانيه المصريه عن المرحله الاولي من حيث النتائج وترتيب الاحزاب في حصد المقاعد وهو ما اتضح من خلال النتائج الاوليه حيث أجريت انتخابات المرحلة الثانية في 13 محافظة، وتنافس فيها 2872 مرشحا على 222 مقعدا فرديا، و60 مقعدا بنظام القوائم، في 102 دائرة انتخابية، بإجمالي 282 مقعدا، بنسبة 13 مرشحا لكل مقعد، بينما بلغ عدد من لهم حق التصويت 28 مليونا و204 آلاف و225 ناخبا.
وكانت اللجنة العليا للانتخابات أعلنت أن نتائج المرحلة الأولى للانتخابات وضعت حزب المصريين الأحرار في مقدمة الأحزاب بحصوله على 36 مقعدا، يليه مستقبل وطن بـ 21 مقعدا، ثم حزب الشعب الجمهوري 11 مقعدا، فيما حصل الوفد الليبرالي على النسبة نفسها 11 مقعدا، وحل حزب النور خامسا بحصوله على 8 مقاعد فقط يليه حزب المؤتمر بخمسة مقاعد.
كما حصل حزب "حماة وطن" على 4 مقاعد، يليه المصري الديمقراطي بثلاثة مقاعد، فيما حصل كل من: الحركة الوطنية، وحزب الحرية، والديمقراطي الناصري، والصرح المصري الحر، والمحافظين، ومصر الحديثة، ومصر بلدي، على مقعد واحد لكل منها
قائمة "في حب مصر" تكتسح
للمرة الثانية، بعد المرحلة الأولى، اكتسحت قائمة "في حب مصر" نتائج الجولة الأولى من المرحلة الثانية، متقدمة بفارق كبير على قوائم كل من: التحالف الجمهوري، وتيار الاستقلال، والجبهة الوطنية، وحزب النور.
ومن بين سبعين مرشحا حجزوا مقاعدهم في مجلس النواب، من الجولة الأولى، التي جرت يومي الأحد والاثنين الماضيين، فاز ستون مرشحا يمثلون تحالف "في حب مصر"، بقائمتي القاهرة، وشرق الدلتا، منهم 45 مرشحا فائزا بقطاع القاهرة وجنوب ووسط الدلتا، و15 بقائمة شرق الدلتا.
ويأتي في مقدمة الفائزين الستين كل من قياداتها وأعضائها التالية أسماؤهم: اللواء سامح سيف اليزل، وأسامة هيكل، وطاهر أبو زيد، وأكمل قرطام، ومحمود بدر، وطارق الخولي، ونادية هنري، ومارجريت عازر، وكمال عامر، وعلاء عبد المنعم، ومحمد مصطفى السلاب، وعبد الهادي القصبي.
10 مرشحين فازوا بمقاعد فردية
وفيما يتعلق بالمقاعد الفردية، حسم عشرة مرشحين مقاعدهم دون إعادة.
وهؤلاء هم كل من: المخرج خالد يوسف عن كفر شكر، ووزير التضامن الاجتماعي الأسبق، على مصيلحي، عن أبي كبير بالشرقية، ومرشحو سيناء: إبراهيم أبو شعيرة وجازي سعد، (دائرتي الشيخ زويد ووسط سيناء) ومحمود خميس عن دائرة بلبيس، ومحمود عثمان عن الإسماعيلية، وطلعت السويدي عن دائرة ديرب نجم، وسمير غطاس عن مدينة نصر، وأحمد بدوي عن طوخ في قليوب، وخالد مشهور بدائرة "منيا القمح" بالشرقية.
مرشحان فائزان و50 إعادة لـ"مستقبل وطن"
في سياق متصل، أعلنت غرفة عمليات حزب "مستقبل وطن"، برئاسة محمد بدران، المقرب من السيسي، أن فرص الحزب تعززت بوصول 50 مرشحا له إلى جولة الإعادة، من أصل 87 مرشحا، أي بنسبة تقارب 70%، إضافة إلى فوز الحزب بمقعدين ضمن قائمة "في حب مصر"، موضحا أن معظم مرشحيه بجولة الإعادة متصدرين لدوائرهم بفارق كبير عن أقرب منافسيهم، خاصة بمحافظات الدلتا ومدن القناة.
وأوضح الحزب - في بيان له الثلاثاء - أنه استطاع في المرحلة الثانية أن يتصدر المشهد السياسي والأحزاب السياسية من حيث عدد المرشحين الذين يخوضون جولة الإعادة ليثبت بذلك أنه "الحصان الأسود" بكل جدارة، وفق البيان.
ومن جانبه قال بدران، إن الحزب استطاع في فترة وجيزة كسب ثقة وتأييد المصريين من خلال امتلاكه رؤية طموحة وجادة للنهوض بالوطن، على حد تعبيره.
52 مرشحا يخوضون الإعادة لـ"المصريين الأحرار"
بدوره، أعلن حزب "المصريين الأحرار" عدم فوز أي مرشح له على المقاعد الفردية، لكن لديه 52 مرشحا يخوضون جولة الإعادة.
وقال مدير غرفة عمليات الحزب، اللواء ناصر قطامش إن لنتائج الأولية لفرز الأصوات بعدد من محافظات لم تكشف نجاح أحد من مرشحين للحزب، وإنه سيخوض جولة الإعادة ب 52 مرشحا.
وكان مؤسس حزب "المصريين الأحرار"، نجيب ساويرس، صرح بأنه يتوقع أن يحقق حزبه نتائج بالمرحلة الثانية ليست أقل مما تحققت في الأولى، على حد قوله، عقب إدلائه بصوته بمدرسة الزمالك القومية المشتركة بدائرة بولاق.
فوز خمسة.. و43 إعادة للوفد
وحلَّ حزب الوفد ثالثا في ترتيب عدد مرشحيه الفائزين والباقين للإعادة.
وقال المستشار الإعلامي للحزب معتز صلاح الدين إن الحزب نجح له في هذه الجولة من انتخابات مجلس النواب 5 مرشحين هم: المحاسب طلعت السويدي بديرب نجم بالشرقية، و4 مرشحين في قائمة "في حب مصر" هم ليلى أحمد أبو إسماعيل ومحمد سليم، والسيد موسى، ومها شعبان.
وأضاف صلاح الدين - في بيان له الثلاثاء - أن النتائج التي أعلنت، والمؤشرات التي وردت إلى غرفة عمليات الحزب، تؤكد أن هناك 43 مرشحا وفديا يخوضون جولة الإعادة.
النور يخفق مجددا.. 8 للإعادة من 71 مرشحا
ومن بين 71 مرشحا خاضوا منافسات المرحلة الثانية باسم حزب "النور"، لم يفز أي مرشح، كما لم تفز قائمته بقطاعي القاهرة وشرق الدلتا، فيما يخوض ثمانية من مرشحيه جولة الإعادة، وأقر قادة الحزب بتلك النتيجة البائسة، والتمسوا لها مبررات شتى.
ومن جهته، فقال عضو المكتب الرئاسي للحزب، الدكتور شعبان عبد العليم إن استمرار ظاهرة المال السياسي في المرحلة الثانية كانت سببا كبيرا في عدم نجاح أي مرشح للحزب في هذه المرحلة، ومشاركة عدد قليل منهم في جولة الإعادة.
وأضاف أيضا أن عزوف عدد كبير من الناخبين عن المشاركة، وكان من بينهم أبناء التيار الإسلامي، أثّر على الحزب ومرشحيه، وأسهم في عدم نجاحه.
ومن جهته، قال عضو الهيئة العليا للحزب، عضو مجلس النواب، أحمد الشريف، إن الفقر المالي للحزب كان سببا كبيرا في قلة عدد مرشحيه بجولة الإعادة، في ظل اعتماد الانتخابات بشكل كبير على المال السياسي، وهو ما لم يستخدمه مرشحو الحزب، حسبما قال.
وبدوره قال عضو اللجنة القانونية لحزب "النور"، جمال متولي، إن ترصد بعض الأجهزة الأمنية ضد الحزب، والقبض على عدد من أعضائه خلال الانتخابات، كان سببا كبيرا في خسارة "النور" لعدد كبير من مرشحيه في المرحلتين الأولى، والثانية، وفق رأيه.
"حماة وطن".. خمسة إعادة
وأكد مساعد رئيس حزب "حماة الوطن"، اللواء محمد الغباشي، أن الحزب لم يحصد أي مقعد خلال هذه المرحلة لانتخابات النواب، مشيرا إلى خوض خمسة مرشحين للحزب جولة الإعادة.
وكشف أمين عام التثقيف والتدريب بحزب "التجمع"، محمد فرج، أن حزبه لديه أربعة مرشحين سيخوضون جولة الإعادة.
كما يخوض الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي جولة الإعادة من خلال مرشح واحد في حدائق القبة هو خالد شعبان.
وكان الحزب رشح خلال المرحلة الثانية 32 مرشحا.
وقال القيادي بالحزب عاطف فوزي إن رأس المال هو الذي حسم المقاعد خلال المرحلة الثانية والأولى.
وغير بعيد، قال نائب رئيس حزب الكرامة، عبد العزيز الحسيني، إنه كان من المتوقع عدم فوز أي مرشح عن الحزب في الجولة الثانية، وذلك لعدم استخدامنا للمال السياسي، على حد قوله، مضيفا أن نسبة فوز الأحزاب والمرشحين المستقلين، الذين ينتمون لثورة 25 يناير، ستكون ضعيفة، وتعتبر حالات استثنائية.
هل انتهى حزب النور المصري؟ سؤال طرحه كل من إيملي كرين لين ونيكولاس لين في تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، وجاء فيه: "منذ عام 2012 حكم الرؤساء المصريون عبر قرارات رئاسية، وفي غياب البرلمان أو المشرعين كي يقوموا بالرقابة على سلطاتهم، وهذا كله سيتغير. فاليوم هو اليوم الثاني في الجولة الأخيرة من الانتخابات لانتخاب البرلمان الذي طال انتظاره. وتضم قائمة المرشحين عددا من الوطنيين والعلمانيين ورجال الأعمال. لكن المنطقة الانتخابية ليس فيها إلا خيار واحد: حزب النور".
ويقول الكاتبان إنه "لم يبق تمثيل للإسلام السياسي في مصر، إلا هذا الحزب السلفي المحافظ المؤيد للنظام".
ويشير التقرير إلى أن حزب النور أصبح قوة سياسية بعد الثورة التي أطاحت بحكم الديكتاتور حسني مبارك عام 2011. وبعد سنوات من التهميش، ولدت فرصة للبديل الإسلامي عن العلماني، وانتهز حزب النور الفرصة.
وتلفت المجلة هنا إلى المبادئ التي يتبعها حزب النور، التي تقوم على تفسير حياة الرسول بطريقة حرفية، والامتناع عن دفع الفوائد، وعدم السماح لصورة المرأة بالظهور على الملصقات الدعائية.
ويبين الكاتبان أنه "في انتخابات عام 2011- 2012 هاجم حزب النور جماعة الإخوان المسلمين، وهي أقدم جماعة إسلامية في مصر، ووصفها بالليبرالية أكثر من اللازم. وحصل الحزب على نسبة 25% من المقاعد في البرلمان، حيث جاء في المرتبة الثانية بعد الإخوان. ولكن البرلمان، الذي سيطر على الإسلاميون، لم يستمر إلا خلال شهر حزيران/ يونيو 2012، عندما قامت المحكمة العليا بحله بذريعة خرق قانون الانتخابات".
ويستدرك التقرير بأن انتخابات هذا العام تمت على مرحلتين، الأولى ما بين 16 إلى 18 تشرين الأول/ أكتوبر، وغطت جنوب وغرب مصر. أما الثانية فغطت بقية مصر. وأظهرت نتائج الجولة الأولى من الانتخابات أن ساعة التميز السياسي لحزب النور قد انتهت.
وتقول المجلة إن "عبد الفتاح السيسي قام منذ وصوله إلى السلطة، بتعزيز سلطته على مصر، حيث سحق الإسلاميين، ودمج ما تبقى منهم، ولهذا خسر الإسلاميون/ حزب النور في الانتخابات. وهذا يعني أن مصر التي تعد بلد محافظا سيمثلها برلمان علماني".
ويذكر الكاتبان أن "توقعات حزب النور في الانتخابات كانت منخفضة، ولكنه دخل الانتخابات على أمل الاحتفاظ بالإسكندرية، وكان مخطئا. فمع أنه نافس على 102 مقعدين، إلا أنه لم يربح سوى 10 مقاعد".
وينقل التقرير عن مسؤول لجنة الشؤون الخارجية في حزب النور عمرو مكي، قوله: "ما حدث كان أسوأ مما توقعنا، "وكنا نتوقع بالفوز في الإسكندرية". مشيرا إلى أن الحزب كان سريعا بإلقاء اللوم على القوانين الانتخابية غير النزيهة وعلى المسؤولين الفاسدين.
وتستدرك المجلة بأن هذا لا يفسر سبب خسارتهم. فبحسب أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية والزميل السابق في مؤسسة "كارنيغي" أشرف الشريف، فقد قال "خسروا لأن القاعدة الانتخابية السلفية لم تنتخب حزب النور، وذلك بسبب اعتقادهم أن حزب النور باع قضية الإسلاميين والقضية السلفية".
ويوضح الكاتبان أنه منذ الإطاحة بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي في تموز/ يوليو 2013، حاول النظام العسكري، الذي قاده السيسي، سحق الإخوان المسلمين بطريقة ممنهجة. واستطاع حزب النور، وهو الجناح السياسي للدعوة السلفية، النجاة عندما دعم وبشكل علني الحكومة الجديدة، وتخلى عن زملائه الإسلاميين المحاصرين.
ويفيد التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، بأن قادة حزب النور يصرون على أن قرارهم كان عمليا . ويقول المتحدث باسم الحزب عبد المنعم الشحات: " كان من الواضح أن ما حدث قد حدث، وقد اتخذ حزب النور قرارا استراتيجيا وهو ما دعمته الدعوة السلفية". وبالنسبة للإخوان المسلمين وداعميهم، فقد كان هذا القرار الإستراتيجي "خنجرا في الظهر".
وتبين المجلة أنهم أجبروا على الاختيار بين الإبادة والنظام، فاختاروا الأخير، ويقول الباحث في مؤسسة "كارنيغي" شادي حميد: "قد راهنوا منذ اليوم الأول للانقلاب على حصولهم على شيء مقابل دعمهم لنظام السيسي". مستدركة بأن حزب النور لم يراهن فقط، بل ومضى في اللعبة، بحسب الشريف الذي قال:"لقد ذهبوا أبعد من هذا، وفي حملة الانتخابات الرئاسية دعموا حملة السيسي"، وأضاف: "كان بإمكانهم الامتناع، ولكنهم بقوا وقرروا دعم السيسي، وهو ما استفز الإسلاميين".
ويقول الكاتبان إن حزب النور تحمل غضب الإسلاميين عليه، أملا بأن يحصل على دفعة في الانتخابات البرلمانية، أو حتى اعتراف من الحكومة. ومع اقتراب الانتخابات في تشرين الأول/ أكتوبر كان واضحا أن هذا لن يحدث. ويقول حميد: "مرة بعد الأخرى خاب أملهم (من النظام)، وتم تهميشهم بطريقة تدريجية، ودفعهم خارج العملية".
ويورد التقرير أن مرشحا عن حزب النور في الإسكندرية دهش الشهر الماضي عندما وجد السلطات تعمل ضد السلفيين، وقال: "لم نكن نتوقع أن تغمض الحكومة عينيها عن أنواع التجاوزات كلها"، وأضاف: "كان الناس يشترون الأصوات أمام مراكز الاقتراع، أما أنا فقد ترشحت عن منطقة الرمل في الإسكندرية، وتم اعتقال 17 من المتطوعين في حملتي في اليوم الأول من الانتخابات، وقضيت اليومين المخصصين للاقتراع في مركز الشرطة".
ويعلق حميد بأنه كان يجب على حزب النور ألا يشعر بالصدمة "فقد كان حزب النور يتصرف وكأنه منافس شرعي في الانتخابات، ولن يكون أبدا بهذه الصفة، ولهذا كان افتراضهم الأول غير صائب، وفشل الرهان".
وتنوه المجلة إلى أن حزب النور لم يواجه معارضة من الدولة، بل ومن القوى السياسية الأخرى، وبينهم الإخوان المسلمين، الذين هاجموا الحزب وبقوة. وكاد الحزب أن يحرم من المشاركة في الانتخابات بسبب حملة "لا أحزاب دينية"، التي قدمت دعوى قضائية ضد الحزب، التي قالت إن مشاركته تعد خرقا للدستور الذي يمنع الأحزاب الدينية. وعندما لم يدافع النظام عنهم، قال قادة حزب النور إنهم سيتنافسون على عدد قليل من المقاعد، حتى يظهر الحزب بمظهر المعتدل. وشاركوا في قائمتين انتخابيتين من أربع قوائم و160 مرشحا من بين 448.
ويستدرك الكاتبان بأنه مع ذلك لم ينج الحزب من الهجمات التي انهالت عليه وبلا رحمة من الإعلام. وبحسب أحد مسؤولي الحزب البارزين أشرف ثابت، الذي خسر محاولته للمنافسة على مقعد انتخابي، فقد "كان حزب النور في جهة، وبقية الأحزاب في مصر على الجهة الأخرى".
ويقول التقرير إن الحزب لم يخسر في الجولة الأولى فقط، ولم يخسر دعم الدولة فقط، بل ودعم الحركة الإسلامية، وأكثر من هذا خسر دعم القطاع المعتدل من المسلمين. ويقول الشريف: "فشلوا بقراءة مواقف الناس العاديين"، وأضاف: "اعتقدوا أن الناس العاديين الذين صوتوا لهم في انتخابات عام 2011، سيصوتون لهم الآن. وهنا فشلوا".
وتشير المجلة إلى أنه في الوقت الذي حاول فيه حزب النور مصادقة الدولة العلمانية، فإنه حاول تمثيل المصالح المتنوعة لمجتمع الإسلاميين المصري. ويقول الشريف إنه فشل في كلا الحالتين "من الناحية المنطقية فشلوا، لأنهم حاولوا القيام بمهمة ليسوا مؤهلين للقيام بها". ويضيف: "رغبوا بأداء دور اللاعب الإسلامي العقلاني والمعتدل والمنطقي، الذي يمكنه أن يكون براغماتيا ويحمي الإسلاميين من الإبادة. ولم ينجحوا بإقناع الليبراليين الذين نظروا إليهم باعتبارهم متطرفين ولا مع الإسلاميين الذين اعتبروهم منافقين".
ويعلق الكاتبان بأن مصير حزب النور يبدو قاتما مع أنه رشح في الجولة الثانية 118 شخصا، ونتائج هذه الجولة ستكون أقسى من الأولى، خاصة أن الحزب يتنافس على مقاعد في القاهرة، التي تعد قلب المعسكر المعادي للإسلاميين. ويأمل مكي بحصول الحزب على عشرة مقاعد في أفضل الأحوال، وهو ما سيرفع عدد مقاعد الحزب إلى 20 مقعدا، أي نسبة 3 %. وتساءل مكي: "هل يمكننا عمل شيء في البرلمان بـ 10 أو 12 مقعدا؟ لا أعتقد".
ويجد التقرير أن حزب النور نجح في تحقيق شيء لم يحققه أي حزب إسلامي في مصر، وهو أنه استطاع النجاة. ويقول حميد: "كان حزب النور هو الحزب الإسلامي الوحيد الذي لم يتم سحقه. تتعامل قيادة الحزب مع النجاة على أنها نوع من النجاح". ويرى الشريف أن قيادة الحزب ترى بقدرتها على البقاء أمرا مهما؛ لأن الحزب سيظل الخيار الوحيد للمحافظين، ويقول: "في نهاية اليوم، يعرف حزب النور أن المجتمع المصري ليس علمانيا بل محافظا ومتدينا، ولهذا فهو بحاجة إلى لاعبين يملكون أيديولوجية ذات خطاب إسلامي". ويمكن للحزب أن يؤدي هذا الدور بحسب الشريف.
وتختم "فورين بوليسي" تقريرها بالإشارة إلى أن حزب النور سيواصل مراعاته للدولة، وفي الوقت ذاته سيحاول التصالح مع الجماعات الإسلامية الأخرى. وسيواصل موضعة نفسه كونه خيارا أخلاقيا وإسلاميا، وعندما يحين الوقت للعودة في زي جديد، فسيكون حزب النور هناك.